فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 5287

سيتنفس الصباح، وينتشر الناس في سطوحهم يتثاءبون في كلالة، ويخطون في فتور، ويسقون الغرس ويقطعون النعناع.

وستعلى الشمس، ويرقص السراب، وتسعى النواة إلى المغاسل، فتغطس الأذرع الموردة فيها، وتفيض الرغوة منها، وتتدلى الصدور عليها، وترقص الأرداف دونها.

وقد يطلع النهار على تلك البنية البارة تنشر على الحبل غسيل أمها، وهي تعبس للشمس وتزوي ما بين حاجبيها ن ورأسها ملطخ بالحناء، ورجلاها حافيتان.

وستنصرف الناس عن السطوح إلى موائد الغداء، فتستقل بها الدجاج والديكان، تلك تخطو في حرص وتتسمع في اهتمام، وهذه تخطر مزهرة وتلتفت متأملة.

لكم ساعد الفقيه جارته «الضاوية» في نشر الغسيل، وإمساك الدجاج، وتنقيه العدس. مسكينة ليست إلا سقاية ... ومع ذلك فإن لها قلب السلاطين ... لقد بكت كثيرا من أجله، وساهمت ـ على ضعفها ـ في تجهيزه للسفر بخمسة ريالات ..

علم الفقيه في محطة القطار أن عربية الدرجة الرابعة لت تخرج إلا بعد الضحى، فتخفف من متاعه، ومضى ـ وقد طلع الفجر ـ يتسكع في الميناء.

ولم يكن البحر قد استفاق بعد، فهو لا يزال ينكمش ويلتوي كأنه الرصاص المصهور.

وكانت الأضواء الحمراء تحتضر كأنها ورود تذبل في قبضة النهار.

وفاضت الأنوار من جوانب الأفق، فبدأ الميناء كأنه راهب أشيب ينزع طاقته السوداء.

وبدأت الزوارق ترقص في مرابطها كأنها ولدان تتحفز للحيو.

وبدأ البحارة يتقاطرون على الميناء زرافات ووحدانا.

ونشط بائع الحريرة في توزيعها على البحارة والعسس والحمالين.

وفكر الفقيه في أن للرزق أبوابا غير بابه التي أصبحت في ضيق سم الخياط، فتمنى لو أفاض البحر عليه هو الآخر رزقا يمسك عليه روحه ويكفيه هذا الرحيل الذي بدأ يشك في جدواه ..

صحيح أنه لا يحسن الملاحة ليصبح بحارا ولا يملك الجرأة على أن يصبح حمالا

ولكن في استطاعته أن يصبح واحدا من هؤلاء العسس الذين لا يصنعون شيئا إلا أن يحملقوا ...

وهو لا يحسن شيئا كما يحسن شيئا كما يحسن الحملقة التي طال عهده بها الكتاب.

وذكر الفقيه أن له صديقا في الميناء هو «الرايس أحمد» ، فمضى يبحث عنه لعله يدله على ما يجب أن يفعله ليصبح «عساسا» .

وانجلى البحث الطويل عن منظر الرايس أحمد يعتمد مجدافيه تحت أبطيه، وعيناه تحملقان في البحر الذي يهدهد به الزورق فتتمايل عمامته الصفراء وما لمح الرايس أحمد الفقيه الكرفطي عند الرصيف، حتى وتب إليه يقبل أطرافه ويهتف به في حماسة وبراءة:

«ماذا يصنع سيدنا الفقيه بين براميل الزيت وصناديق السمك ... دعونا نحن لهذه الأوساخ ... ودونكم كتاب الله تعطرون به أفواهكم وتلقنوه صبيانكم ... صدقتي يا سيدي أنني لا أراك إلا وجدت ريح الجنة ... إننا لا نرحم إلا بكم ... !»

ولم يملك الفقيه إلا أن يتمتم بتحية باهتة، وببضع كلمات برر بها وجوده بين براميل الزيت وصناديق السمك ...

بدأ القوم يتساقون كؤوس الشاي، وقد فسخوا مناطقهم، واتكؤوا في تربعهم، وشخروا مع عيهم، وتضمضموا بمشروبهم في نشوة يغيب لها سواد الأعين.

وكان أعجب ما في مظهرهم أن يكون نقيض ما ينعمون به طرب وسرور، فقد كانوا مكدودين منهوكين وأهين، ولكن الواقع أنهم كانوا مسرورين من كل ما حولهم. أنهم يحتفلون بمقدم الفقيه الكرفطي أحد أمجاد قريتهم وسفيرها في المدينة، إن جامع القرية لم يسبق له أن زخر بهذا الجمع وطفح بهذا الحبور. شائبة واحدة مرت كالسحابة فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت