فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.5، ع3 /نونبر 1961 ص 13
للأستاذ: جمال بغدادي القادري
إن الإنسان حينما يعالج المادة لا يطلب منه عادة إلا إتقان المتعلقات الخاصة بتركيب وتأليف هذه المادة، كالميكانيكي حينما يصلح عطبا في جهاز المحرك، أو المحلل الكيماوي وهو يؤلف بين العناصر لإخراج محلول جديد وهكذا في كل شؤون الميادين الصناعية والآلية لا ترى الخبرة تتعدى المظهر الخارجي لها.
وهذه المعرفة تتعقد قليلا حينما ننتقل من دائرة الماديات إلى مجال النفس والإنسان لأن المعرفة هنا تتطلب العلم ثم الاستبصار، أي ذلك الإدراك الخفي الذي يدفعنا من الأعماق إلى استكناه خفي الأحاسيس، وأغوار الشعور وصميم العقل، فالمعرفة لم تعد مرتبطة بالمعرفة الآنية بل وجب ربط التجربة الماضية والحياة السالفة بالحاضر وبالمستقبل حتى نستخرج النفس من حصنها المنيع، والمحلل النفساني يدرك هذه الصعوبات الجمة وهو يعالج الاضطرابات العقلية والنفوس العليلة.
غير أن المعرفة السابقة تصل إلى منتهى التعقيد حينما يصبح الأمر يتعلق بالمجتمع - وهو حاصل جميع الأفراد- ومعرفة الناس تتطلب استعدادا خاصا وتكوينا علميا عميقا لا سبيل إلى التقصير فيهما حتى يكون اتصال العالم الاجتماعي بمجتمعه وبجمهوره اتصالا مجديا عميقا مؤثرا، والاتصال بالناس يتطلب التدريب النفسي الخاص حتى تنقاد الجماهير وتنفعل لما يقال، وتنصاع للأوامر والنواهي. والدعوة الإسلامية تتسم بهذا الطابع الاجتماعي، لأنها اتصال دائم بالناس وسعي مستمر لصرف الأفراد والجماعات نحو المسلك الخلقي القويم، ولذلك أمكن اعتبارها من أصعب المهن وأبعدها طواعية للداعي الغافل عن سنن المجتمع.
كانت الدعوة الإسلامية في عصورها الذهبية ذات مفعول وأثر باق، ولعل السبب يعود إلى بساطة الحياة في ذلك الحين، وعيش الناس في كنف الدولة القوية المشرفة على سلامة الأجهزة الثقافية وتماثل الطابع العام للبلاد والعقول، حيث أن الاتصال بالشعوب الأخرى كان محدودا، لا كما هو اليوم في عصر السرعة والمواصلات البرية والجوية والبحرية التي تنقل مع السيارة والغسالة والتليفزيون المذاهب التحررية في الأدب والفن والأخلاق، ثم إن الحياة الديمقراطية المعاصرة جعلت شريعة التنافس الفكري الحر على أشدها، وهذا الصراع قوى الوسائل وهذب أجهزة الدعاية وأصبحت المجلة والكتاب والفيلم وغيرها تخدم جميعا فلسفة خاصة هي التحرر والتمرد والأنانية المذهبية، ونحن معشر المسلمين ماذا فعلنا لنقابل هذا التيار الجارف؟، وهل تفهمنا منطق العصر؟ إن الخطب التي تقال عندنا والكلام الذي يردد في كل حين ليعكس البعد الشديد عن المنهج السليم.
ولذلك أصبح من المحتوم البناء من جديد والتدريب الجذري، وتأهيل الرجال الأكفاء الذين يحملون الرسالة عالية مشرقة.
وباختصار نحن في حاجة إلى ركائز أساسية لابد منها إذا أردنا البقاء الفعال للدعوة الإسلامية سالمة من الشوائب والعراقيل التي تصد انطلاق الفكر الإسلامي الحي وتجعله يدور في حلقة جامدة مفرغة.
وأريد هنا الإشارة إلى جانبين أساسيين في تدريب الداعي المنشود وهما جانب علمي وآخر فني.
الجانب العلمي للدعوة:
لا سبيل من جعل القاعدة الأولى في هذا الاعتبار تعود إلى الثقافة الإسلامية المحض، وقد دخل