فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 54
للأستاذ: عبد المجيد بن جلون
كان ملقى في السرير يتفصد عرفا من رأسه إلى أخمص قدميه، وقد أخذت حمى مجنونة بتلابيبه أخذا لا رحمة فيه، فيترامى إليه في عالم التيه الذي شردته فيه الحمى، صوت موسيقى الرقص من الدور الأول بالفندق، وهدير السيارات والعجلات البخارية من الشارع الذي تقع عليه نافذة غرفته، ثم الأزيز الرتيب الذي تحدثه آلة التبريد ..
وأخذ يهدي هذيانا مخيفا .. كلا ليس هو الذي أخذ يهدي هذيانا مخيفا .. وإنما الذي أخذ يفعل ذلك هو خياله الملتهب، وفي أثره سياط الحمى المستهترة الداعرة ...
يا إلهي! أين ذهبت تلك الشمس المستحبة التي كنا ننعم بالسير في نورها الدافئ أيام الشتاء؟ أين اختفت تلك الشمس الوديعة ليخلفها هذا الكوكب الوقح الذي يخطف الأبصار ويذيب العظام، هذا الإشعاع الذري المهول الذي استقر في كبد السماء لا تطرف له عين، فيسير فيه الشبان وقد تقوست ظهورهم، وتخاذلت خطواتهم، وباتوا يترامون الواحد تلو الآخر على الأرض وقد انهمكت قواهم شيخوخة قاسية، وأخذت البحار تجف، والجبال تجري، والمعادن الصلبة في سويداء الكرة الأرضية تذوب وتلتهب وتتدفق بالأمواج الفولاذية المدمرة العاتية ..
إن البشرية تهاجر من الأرض القديمة، وقد انطلقت الصواريخ بأصواتها المفزعة تغادر المعمور الذاهب، لتهرب بالبشرية على الكواكب الأخرى .. إنها الهجرة الإنسانية الكبرى ... أنه الطوفان الجديد .. في عصر التمرد العقلي .. وعصر الحمى ..
ولا يشرف على النظام وتيسير عملية الهجرة الاجتماعية الكبرى جنود في جيش، ولا جال من شرطة، وإنما تشرف عليها فرق من الغربان السود .. تنشر الشؤم .. وتشرف على المأساة .. وتنعي الموت على الكوكب الصريع ..
كل شيء يفنى، كل شيء ينتقل ويصير، كل شيء يلتهب ويزول، ما عداه هو، أنه يسبح ويسبح في البحر لا نهائي، تحاول النسائم أن تخفف من غلواء الالتهاب المطبق، ولكنها سرعان ما تتحول هي أيضا إلى سموم، إلى فحيح ينبعث من جوف جهنم ذاتها ..
وعادت السياط تضاعف من قسوتها الفاخرة وغضبها الأحمق، لقد كادت الأرض أن تخلو، وبذلك تصبح البشرية كلها جماعة هائلة من اللاجئين .. الأرض كلها أصبحت فلسطين .. وأصبحت الكواكب الأخرى البلاد العربية .. كلها خيام ممزقة تحمل شعار (الاوثرا) البشع .. وجوه كالجماجم، وأجسام كالهياكل، وعيون خطف بريقها الرعب .. وكرام عصف بهم الذل والهوان ..
ولكن مكانا واحدا لا يزال يتدفق بالحياة في الأرض الملتهبة، أنه المكان الذي تقع فيه عبقر .. بؤرة الشر والشياطين والمردة، تتصاعد منها في جنون موسيقى السوينج .. والروك اندرول .. أنهم يقيمون هنالك آخر حفلة احتفاء بالنهاية .. هذه النهاية التي سوف تتمثل في آخر شخص كتب عليه أن يختفي وحده مع الباخرة في بحر الجحيم .. فيه هو الملقى على السرير تحت السياط ..
وشدته الشياطين بحبال من الكهرباء على أعمدة من الحديد الأحمر .. في ذلك البلد النائي البعيد، الذي ظل من أقوى معاقل الشر قبل أن يولد التاريخ .. وعلا الصراخ .. والتهب الإشعاع الذري في السماء، وجن الراقصون جنونا لا تعرف هل هو من سكر، أو هو من عذاب .. وقذف بالأشجار على النيران الموقدة إيذانا بالنهاية ... ولكن النار كانت تلفح جسمه هو، فبخيل إليه وهو مشدود بحبال الكهرباء على الحديد