فهرس الكتاب

الصفحة 4518 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 ص 66

المساجد وأثرها في إصلاح العقول وتطهير النفوس

للأستاذ: عبد الله الجراري

كان المسلمون فجر عهودهم الأولى وأيام فتوحاتهم المبكرة يؤدون صلواتهم بأمكنة يتخذونها في إحيائهم من خيام وأخصاص وما إليها يقيمون بها ما وجب عليهم من صلوات في اليوم والليلة، وكان سكان الأحياء والقبائل لذلكم العهد الإسلامي الفتي ينفقون على هذه المساجد البسيطة من حر أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وسعيا وراء ثوابه الذي يأمله كل مؤمن.

وبعر أن أخذت طاقة الإسلام تقوى وتعم البقاع - فكر الملوك والأمراء في تأسيس المدن وتهييء ما يلزم أن تتوفر عليه من مصالح ومرافق وكان في المقدمة المساجد والمعابد.

والمولى إدريس الفاتح الأكبر للمغرب - أول من انبرى للقيام بهذه المكرمة المقدسة - ما استقر به الإسلام في هذه الديار - توجه فاتحا تلمسان الشقيقة وغزا من بها من قبائل مغراوة وبني يفرن وفور وصوله إليها استبله أميرها محمد بن خزر بن صولات المغراوي وئطلب منه الأمان فآمنه ودخل إليها الخليفة إدريس الأول صلحا وآمن أهلها - وبنى مسجدها وأتقنه وضنع له منبرا وكتب عليه: (( بسم الله الرحمن الرحيم - هذا ما أمر به إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وذلك في شهر صفر عام 174.

هذه تلمسان التي عدها المؤرخون باب افريقية أو المغرب.

(تلمسان لو أن الزمان بها يسخو

منى النفس لادار السلام ولا الكرخ)

كما يقول محمد بن خميس في قصيدته الخائية متشوقا إلى تلمسان بلده.

فها نحن نرى أعظم مسجد (كذا؟) من مساجد الإسلام يؤسسه الفاتح الأول بهذا البلد العزيز وعندما التحق بربه برد الله ثراه وخلفه ابنه ادريس الثاني الأنور وتكاثرت الوفود عليه بوليلي - إزاء مدينة زرهون - فكر قدس الله روحه في جمع من علية القوم في بناء مدينة تسع وفوده ورجال رعيته وفعلا أثمرت الفكرة وكانت النتيجة تأسيس فاس الفيحاء، وفي مقدمة المشروع تكوين أول مسجد بها هو- جامع الشرفاء الذي على غرار قبلته وضعت قبلة جامع القرويين عند تأسيسه، ونقلت الخطبة منه إلى جامع الجديد-ولم يعرف أول رجل أم بالناس فيه إذ لم تكن إمامة المساجد لذلكم العهد الفتي وظيفة دينية رسمية يتقاضى المشتعل بها أجرة كإمام بل كان يؤم المسلمين وقتئذ كل من توفر على سمت حسن، ودين متين، ومعرفة بتلاوة القرآن الكريم. وطبعا يطمئن المؤمنون وتطيب نفوسهم للصلاة وراء رجل تكاملت فيه هذه الصفات الحميدة التي تنشدها شريعة الإسلام وتدعو أليها مبادؤه.

وبالتالي فقد لعبت المساجد من أول تأسيسها شرقا وغربا دورا هاما في شتى النواحي دينيا وإحتماعيا وسياسيا إذ كانت تعتقد فيها الحلقات العلمية والثقافية فكان الرسول عليه السلام يرشد أصحابه ويعلمهم ما هم في أمس الحاجة لمعرفته، كما كانت تقع فيها المفاوضات والمخابرات لدعم الدعوة الإسلامية وتركيز تعاليمها في النفوس، وفيها كانت تعقد الوية السرايا - حيث لم تكن أسست مراكز لهذا الغرض الحربي الهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت