فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 ص 11
للأستاذ: الرحالي الفاروقي
تحدث التاريخ بتفصيل عن طبيعة المسلمين وطليعتهم، وعن نهضتهم ويقظتهم وما كان بينهم من قوة الارتباط، وشدة الاتصال، والتزام الأخلاق والآداب، مما أدى بالدولة الإسلامية في أوائل تاريخها إلى قطع أشواط بعيدة المدى في خدمة الحضارة الإسلامية، ونشر أصولها في الأقطار البعيدة النائية، وإلى الإسهام في سعادة الإنسان، ورفع مستواه، بما ظهر لهم من الاستنباطات والاختراعات التي قد يظن أنها من مواليد العهد القائم، مع أنها من جملة نشاطهم، وصميم إنتاجهم بشهادة المؤرخين الأجانب الذين فارقهم الحقد والحسد.
ولعل السبب فيما وأتاهم من الحظ أنهم لم تكن قد تفرقت بهم الطرق وتمكنت منهم الأهواء فتبعوا الشهوات، وتركوا الصلوات، بل كانوا يتحمسون لمزايا مدينهم، ويتشددون في الاعتزاز بدينهم، ويجمعون شرائعه في قلوبهم، ويحرصون على الأمانة في اجتماعهم ومقاومتهم وسياستهم، متصلين بتعاليم الله في حياتهم المدنية والعسكرية، وفي أنظمتهم الداخلية والخارجية، لا يبغون عنها حولا، ولا يسيرون بها عوجا، حتى أصبحت قوتهم في الأرض واعية، ولغتهم في الخلق نامية، ترجع سائر اللغات إلى لغتهم العربية، فتسود في ظاهر الحياة وباطنها، وتجول في كبير الأمور وصغيرها، عاقدين الصلة بين الدين والدولة، وبين الدنيا والآخرة، ومستيقنين أن كمال الحقيقة لا يأتي إلا بضبط المفاهيم الإسلامية، وممارسة الأحكام ومراعاة المقاصد، فلا شأن للأقوال المجردة الفارغة، ولا أثر للأعمال الجافة الباطلة، ولإقرار للجزئيات بدون اعتبار الكليات.
هكذا كان الأجداد رحمهم الله يستوون على صهوة العز والمجادة، ويعتلون منصة الحكم والسيادة بما حفظوا من أمر الله ودينه، وبما كسبوا من الحمد والثناء، ومن حفظ أمر الله حفظه الله، ومن ضيع أمر الله تعرض للمكاره والأحداث.
وإنه لحتم على الأحفاد الذين يعيشون في عالم تتحكم فيه المادة الزائغة وتسوقه إلى شيطانها، وتكرهه على طاعتها، أن يلتفتوا وراءهم، ويستنقذوا تاريخهم، بما يحول دون الوقوع فيما تئول إليه الشعوب التي لا تقدر السير إلى مصيرها، ولا تلاحظ الأخطار في المساعي التي تأتيها فتتعرى من حيث لا تشعر من أوضاع مجدها، وأسباب عزها، وأن يلتمسوا طريق الخلاص من سيطرة الأهواء حتى يتاح لهم أن يقوم مجتمعهم ودستورهم على صراط الإسلام الذي يرضاه الله لجميع الناس، والذي لا يقاس بوضعه أي وضع من أوضاع الناس، والذي لا يقاس بوضعه أي وضع من أوضاع الناس، ذلك الوضع الذي رفع الإنسان بسلطان العقل، وقسطاس العدل، وكفل سلامه بما بث من وسائل الود والإخاء، وربط مجتمعه بما حث عليه من البذل والسخاء فضلا عما أوجب على الدولة، وأرباب النعمة من حقوق البؤساء، حتى لا يسكن الحقد في الصدور، ويعظم داء الشرور، وأرشد إلى التعارف والتفاهم بين سائر الأجناس من دون علو ولا استعلاء، وعلى الأخص الذين جمعوا روابط الملة والدين، وحملوا مشعل الهداية والنور، وحرسوا بإيمانهم راية الوحدة والشرف، وأقاموا صرح المدينة الفاضلة على دعائم التربية الصالحة، وتوجهوا إلى حياة التعاون والترافق، وقصدوا إلى علاج المشاكل والمعاضل.