فهرس الكتاب

الصفحة 4549 من 5287

فمن السداد أن نعد العدة ونجمع الإخوة في صعيد واحد لا فرق بين من أساء وتاب، وبين من أحسن وطاب، حتى لا نكلف النفس شططا، ولا نهدم الوحدة غلطا ولا نكون شتاتا وشعاعا، ومن الحكمة أن نتغاضى عن العيب لنتوفي شر السياسة، ولنصلح فساد الأسرة، فقد دأبت جماعة من المنافقين تسيء إلى الإسلام وأهله، وتستهزئ برسول الله في قوله وفعله، وترجف في المدينة، وتهيج الناس، فتغاضى عنهم الإسلام وقابلهم بالحسنى، حتى لعنهم الله بما كذبوا، وأر كسهم بما كسبوا، ويقال: اللبيب العاقل، هو: الفطن المتغافل، وفي قوله عز وجل «عرف بعضه وأعرض عن بعض» ما يومئ إلى ذلك المعنى.

على أن الإنسان خلقه الله ضعيفا في نفسه ضعيفا في وجوده ـ ضعيفا في عزمه ـ ضعيفا في صبره، ولا يقوى على مفارقة الشهوة، ولا يشتد على مقاومة الأزمة، إلا من أخذ الله بيده، وربط على قلبه، ولذلك عذره الله الذي علمه كذلك، وخلقه كذلك، وندب إلى العفو والصفح عنه كذلك، فجعل له من جهة ضعفه رفقا يستند إليه في حياته، وكان من الرفق به أن جعل له مجالا في رفع الحرج عند صدماته، ولاسيما إذا انهارت قوة الضمائر، وترحلت غيرة البصائر فإنه لا تبقى حينذاك للنفس عفة، ولا للقلب فوة، وفوة الإنسان في قلبه، وعزته في جهاد نفسه.

وهذه صور من التاريخ علها تنبتك عن طريق الحكم، وتريك باطن الأمر وأول هذه الصور قضية حاطب بن أبي بلتعة اللخمي الذي أخبر المشركين بما عزم عليه المسلمون من غزو مكة، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في الصحيح: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتو تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فذهبنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي من الكتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرؤا ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب أن اتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أنه قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: أنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله «يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية» ، ويقول في آية أخرى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظهروا على إخراجكم إن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون».

وظاهر أن مثل هذا العمل يعد من التجسس لصالح الأجنبي، ومن الخيانة للوطن الإسلامي، ومع ذلك فقد صدقه عليه السلام في العذر، وبرأه من النفاق، بما يمنع القياس، ويوجب الاختصاص.

وثانيها قصة عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد والتحق بالكفار وافترى على الإسلام وأهدر صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة ثم أنه عليه السلام سامحه بشفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد قال الله سبحانه: «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها» وقد جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام: كان إذا جاءه طالب حاجة يقول: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما أحب.

قال الجاحظ: من كرم العفو، ورجاحة الحلم، ومن أكمل الكمال أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة عنوة، وقد قتلوا أعمامه، وبني أعمامه، وأولياءه وقادة أنصاره بعد أن حصروه في الشعاب، وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب، وجرحوه في بدنه، وآذوه في نفسه، وسفهوا عليه، وأجمعوا على كيده، فلما دخلها بغير حمدهم، وظهر عليهم على ضغن منهم، قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أقول كما قال أخي يوسف: «لا تتريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» انتهى.

وثالثها ما وقع من تخلف عدد من المسلمين عن جيش العسرة في غزوة تبوك كراهية أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، ولما رجع عليه السلام من الغزاة، وتدانى من المدينة تلقاه المخلفون، فمنهم من أبدى معاذيره الكاذبة، فقبل عليه الصلاة والسلام عذرهم ووكل أمرهم إلى مولاهم، ثم جاء الوحي يفضحهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت