فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 8
للأستاذ: عبد الله كنون
لا ادري أين قرأت لأحد الكتاب المسلمين محادثة جرت بينه وبين جماعة من الشباب المسيحيين في أوروبا حول الإسلام ومبادئه وتعاليمه، وكان مما تضمنته تلك المحادثة سؤال إحدى الفتيات له عن الكلمة التي يمكن أن يعبر بها عن الهدف الأسمى للإسلام كدعوة خلقية، وتقابل الكلمة التي يعبر بها في المسيحية عن ذلك الهدف وهي كلمة المحبة، إذ يقال في المسيحية انها دين المحبة ويقول الذي لا اذكر اسمه، انه فوجئ بهذا السؤال أولا ثم فكر وأجاب بكلمتين، أظنهما: العدل والإخاء.
وليعذرني حضرته إذا لم استوعب كلامه، فإني لم أهتم بالموضوع أولا، كما حصل له تماما، ثم فكرت فيه بعد ذلك فرأيته من الأهمية بمكان.
وأني لو سئلت هذا السؤال لأجبت عنه بما يخالف جوابه شكلا وموضوعا، أما من ناحية الشكل فإن المطلوب هو كلمة واحدة تعبر عن فكرة الإسلامية في هذا الصدد، وتقابل الكلمة التي تعبر عن الفكرة المسيحية فيه وهي واحدة، على حين أن هذا الجواب يشتمل على كلمتين اثنتين.
وأما من ناحية الموضوع فإن المسؤول عنه هو السمة الخلقية التي تغلب على الدعوة الإسلامية، وهذا الذي ذكره هو جواب عن الاتجاه السياسي للإسلام، الذي نستطيع أن نعبر عنه بكلمة واحدة هي أدل على المراد من الكلمتين معا، الا وهي (السلام) . فالإسلام من هذه الناحية هو دين السلام، وعلى كل حال فليس ذلك بالجواب الذي يطابق السؤال لفظا ومعنى، ويصح أن يقال انه الشعار الخلقي للمسلمين، كما يقال أن المحبة هي الشعار الخلقي للمسحيين.
والجواب الصحيح في نظري هو الرحمة، فمن أراد أن يعرف الإسلام تعريفا خلقيا فليقل: انه دين الرحمة:
ألم يبعث الله رسوله رحمة للعالمين؟
ألم يفتتح كتابه بالبسملة وهي أربع كلمات اثنان منهما هما: الرحمن الرحيم؟
بلى: وان في أحاديث الرسول وآيات الكتاب العزيز لمجالا رحبا وذيلا سحبا لمن أراد أن يفيض الكلام في هذا الموضوع الخصب.
فالرسول (ص) يقول أن الله تعالى لما خلق الخلق كتب على نفسه: رحمتي تغلب غضبي. والكتاب العزيز يقول تصديقا لذلك: «ورحمتي وسعت كل شيء» . ثم انك لا تقرأ سورة من سور القرآن إلا وكانت البسملة أول ما تقرأ فيها، عدا براءة، التي نزلت بالسيف، بل هذه الفاتحة لا تقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) أولها حتى تجد هذين الوصفين الكريمين، هما ثاني آية منها، فالحمد لله رب العالمين تليها مباشرة: الرحمن الرحيم.
ويتكرر وصفه تعالى بالرحمة في غير ما آية من الذكر الحكيم، ولعل أرجى آية في القرآن هي كما يقول بعض العلماء قوله تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم» .
ولا يخفى أن دلالة هذه الآيات الكريمة هي تعظيم شأن الرحمة والحض على التخلق بها، لأنها وصف لله عز وجل الذي يطمع جميع الخلق في أن يعاملهم به، لينجوا من العذاب، وإلا فلا نجاة لأحد، لأنهم جميعا مذنبون خطاؤون، ولا يقوم إحسان أحد بإساءته ولا عمله بتقصيره أبدا ومن ثم كان دخول الجنة للطائع والعاصي معا برحمة الله، وتتفاوت المراتب فيها بالأعمال.
ويرشد الرسول (ص) إلى هذا المعنى من أن التخلق بالرحمة هو السبيل الوحيد للحصول عليها، فيقول: من لا يرحم لا يرحم، ويقول: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء