فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 7

تصوره فصاروا يتعسفون، ولهذا لا يزال كل من يتخبط في الرذائل يحس فينة بعد فينة بدافع باطنه إلى تطلب الكمال من طريقه الحقيقي، طريق الفضيلة والاستقامة، ثم لا ينشب لضعفه أن يجره السيل ثانيا على ما تدفعه غليه ببيئته، وليست له قوة دافعة ولا خلق مكين، يدرا عنه ويكون دونه سياجا.

إذا كان الأمر هكذا-وهو الذي يدل عليه المذهب الروحاني الذي سلك بلا ريب هذه النظرية- فكيف يستبعد انتظار حياة جديدة تكون هي المقصودة من أول وهلة بما فطر عليه الإنسان من حب الكمال، فيكون الكمال كما هو الكمال فيها، وزد على هذا أن ما يستنتجه العقل من مجموع نظراته في هذا العالم، كونه مؤسسا على الحكمة، والحكمة لا تسير إلا مع العدل، ومتى نظر المرء إلى ما يقع كثيرا في هذه الدار من الإنسان الذي يحمله غروره على أن يخرج عن محجة العدل فيظلم المستضعفين، ويدرس بإقدام قوته على بطون أخواته وبني جلدته، ثم يخرج من هذه الحياة وهو لا يزال على هذا الظلم من غير أن يسيطر عليه قانون، فإنه يتبادر إلى ذهنه أن هناك حياة أخرى يجري فيها القانون مجراه إتباعا لنواميس العالم، ونزولا عند الذي تكون بديهة عند ل عاقل، أفيتلاعب الجبابرة بالمستضعفين ثم يمضون من غير مؤاخذة أصلا؟ أيمكن هذا في العقل؟ فغن كان هذا صحيحا فالعالم حينئذ ليس مؤسسا على الحكمة التي يزعم العقل انه أدركها من كل حركاته.

وكذلك متى نظر العاقل أيضا إلى الذين سلكوا طريق الفضيلة، وحافظوا على الاستقامة في كل حياتهم هذه، وخم يلاقون في ذلك ما يلاقون، فصابروا حتى لفظوا نفسهم الأخير، فخرجوا من هذه الحياة من غير أن ينالوا جزاء عملهم، فإنه كذلك يتبادر إلى بصيرته أن هناك حياة أخرى فيها جزاء للمحسنين.

لاشك أن أولئك الفلاسفة سلكوا هذه المحجة البيضاء حتى استنتجوا ما أعلنوه في بنود ديانتهم التي اعتنقوها، فحكموا بان هناك حياة أخرى تؤدي كل وعود هذه الحياة، وتكافئ المظالم بالجزاء الأوفى.

فالآن يا أخي حماد أمعن في كل هذا إمعانا، وتبصر تبصر من لا يتهم غيره بالسداجة والغباوة، بل تبصر من يقدر غيره قدره من غير أن يقلده، ولا أن يحاول أن يتبعه إتباع الأعمى، فابحث، فالحقيقة بنت البحث، واستعن بشعورك وإحساسك، كما تستعين يعقل وبعلمك وبتجارييك في الخمس والأربعين سنة التي قطعتها شوطا شوطا، ولعلك تهتدي كما اهتدى فلاسفتك الروحانيون، ولا تنس أن تراجع كل ما يقوله الروحانيون عن تلك الأرواح، فإن في كثير من ذلك القصص تعرضا لمدى العقل وللحياة الآخرة فالله يسددك ويأخذ بيدك إلى سواء السبيل.

وكنفي انتظاري فغنني إليك لفي أشواق، وسلم مني سلفا على ذلك النابغة.

(أخوك(فلان)

-يتبع-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت