فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 6

عن إدراك الحقائق كلها، وعن إدراك الكثير من غالب ما يحيط بنا. أو بعد هذه الأقوال وعشرات أمقالها التي لا يزال المنصفون غير المغترين يعلنونها في كل فرصة، بريد الإنسان أن لا يقبل شيئا وان كان يشعر بوجوده، ويحس به، وتدله تجارييه على انه في دائرة الوجود، إلا إذا أدركه بالعقل وعرف حقيقته، وأن كانت فوق مدى العقل، وابعد من مجالاته المحدودة، كلا كلا، فالفلسفة العصرية تقبل الحقائق التي تشعر بها وتحس بها، قبلها العقل أم لا، فقد قال بعض العلماء الذين لا يخضعون إلا للفلسفة العلمية في كلام له حول الأسلوب العلمي العصري وهو يذكر نتائج تطبيقه:

(كانت الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى ذهبية، وأما العلم الحديث فتجربي. كانت الأولى تسجد للعقل البشري المتحرك في دائرة من قيود التسليم بأقوال الأئمة، وأما الثاني فلا يسلم إلا بالحقائق قبلها العقل أو لم يقبلها) .

استمعت الآن ما عليه أهل القرن العشرين. والذين تربوا في المدنية العجيبة؟ فهل يتفق كل هذا وما يدل عليه كلامك وأنت تطلقه إطلاقا؟

لا ريب انك منى سمعت بأن غالب أهل القرون الوسطى ما كانوا يذهبون في الأرض إلا على أنها مسطحة، تقهقه من عقولهم، وتنسبهم إلى الغواية والضلال والجهل العميق، ولكنك أن تأملت فإنك تعذرهم، لأنهم ما تمشوا إلا على طريقتك هذه، وإليك البيان:

(كان بعضهم مرة في مجمع من أهل عصره، فذكر أن الأرض كرة، فقاومه من حضر، وقالوا كيف يمكن أن تكون كرة مع أن من يسكن في البقعة المقابلة لما نحن فيها-على مذهبك- لا يسقط، افتجيز عقولنا وتتصور أن نكون معلقين بأرجلنا؟) .

أرأيت كيف وقف هؤلاء مع ما يتعقلونه؟ أكانوا إذ ذاك أدركوا الجاذبية التي ما اكتشفها نيوتن إلا بعدد ذلك-أن كانت الجاذبية حقا هي الناموس الذي جعله الله تعالى لإمساك السماوات والأرض- وهل كان العقل يدرك-ولا يزال الحال إلى الآن- وقوف إنسان في بقعة من الكرة الأرضية، ووقوف آخر فيما يقابلها من الوجه الآخر، ثم لا يحكم بعدم سقوط احدهما إلى صوب رجليه، ما لم يكن يتخيل مثل ما يقوله نيوتن؟ ولا يعلم إلا الله كم ادراكات نظن الآن أننا فيها على الحق إتباعا لما تدركه عقولنا، ثم ينكشف الغد عن كونها غلطا عظيما منا، لان العقل قد يلم به الغلط كما قد يلم بالحواس.

فالحق كل الحق أن العقل له حد محدود تنتهي إليه مداركة، ولهذا أقول لك الآن، وقد آن أن أقول لك: أن الله الذي اوجد هذا العالم لا يمكن إدراكه ألبنة، فكما استعصى على الحواس استعصى أيضا على العقول، وقد اختلط في ادعاء إدراكه كثيرون ممن قبلك فصاروا يظنون ظنونا ويتخرصون تخرصا، ثم انكشف الواقع عن أنهم في غفلة من جهالتهم يعمهون. فإن كنا نحكم بعجزنا عن إدراك ما بين جنبينا من الحقائق، كحقيقة الروح وغيره، فكيف لا نعجز عن إدراك حقيقة الله الذي نشعر أنه ليس كمثلنا ولا كمثل أي شيء من مخلوقاته، ضرورة انه لو كان يماثل العالم وما فيه، لكان لابد أن يجري عليه ما يجري على العالم من التغير ومن الفناء وافتقار إلى غيره، لان من البديهيات أن المثل لابد أن يجري عليه ما يجري على مماثله، فتأمل في هذا حق التأمل، وتبصر واتئد وابتعد عن ميدان الغرور الذين يتولد مكروبه إلا من حماة الحمل، ولهذا ذهب الفلاسفة الروحانيون كما ترى، على إن الله متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني فما دمت تحكم لهؤلاء الفلاسفة بان لهم عقول الجبابرة حتى أعجبت بهم، فلا ينبغي لك أن تلقي ما اجمعوا عليه من أول وهلة، بل تضعه في الميزان وتستوعب ما في طوقك من الأمعاء، فإنك ستهتدي إلى الحق عن شاء الله، فغن مثلك الباحث عن الحق حاشا أن يخيب سعيه ويخطئ سهمه، وإنما صولة الباطل في غفلة الحق عنه

وما قلناه في تنزيه الله عن مشابهة العالم نقول مثله فيما ذهب إليه الروحانيون من وجود حياة أخرى تظهر فيها نتيجة الحياة الأولى، فغن هذه الحياة الزاخرة بالآلام والأحزان والأمراض والاصطدامات، لا يمكن أن تكون نهاية ما تساق إليه كل هذه العوالم التي خلقت إلا للإنسان وحده، زيادة على ما يحس به الإنسان من نفسه من التطاول إلى الكمال دائما-على حين أنه لا كمال في هذه الحياة- وتطلب الكمال شعور عام لا يخلو منه الجهال وأصحاب الرذائل، متى انفكوا من تأثير بيئة الرذيلة، فضلا عن العلماء وأصحاب الفضيلة، بل أن كل إنسان كيفما كان لا يربع في كل آماله وأمنياته وأفعاله-وان كانت مسفة- إلا هذا الكمال، حتى اللصوص والمستهترون باللذة والمتعة ومباهج هذه الدنيا. وإنما غلطوا في باب الكمال وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت