فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 12
بين الجمود والجحود
للأستاذ الكبير: السيد المختار السوسي
في ضيافة حماد:
كنت كتبت إليه من مراكش هذه الرسالة:
مراكش 23 - 4 - 1340هـ
عزيزي الدكتور النابغة السيد حماد.
إنني في طريقي إلى فاس، وسألم بجنابكم يوم الخميس 28 ربيع الثاني، فأرجو أن أجدكم في انتظاري هناك، وإلى اللقاء. فلان
وصلت دار الدبيبغ حيث يقطن الدكتور، فدخلت الخادم ببطاقتي، فخرج على الهيأة التي كنت أعرفه بها من قبل، سراويل طويلة، وصدرة مفتوحة الأزرار، قصيرة الكمين، عاري الأعضاد إلى المنكبين، فصافحني بيد، وفي اليد الأخرى لفافة التدخين، ثم رد اللفافة إلى فيه بعد ما تبادلنا التحية، فتقدمني إلى بهو مؤثث تأثيثا غريبا، فيه كراس مصفوفة حول منضدة، على الجدران معلقات من الأسلحة البلدية، إلى تصاوير مختلفة، فقدم إلي مقعدا وجلس على آخر، فلم نمكث إلا دقيقتين حتى افعوعم جو البهو على اتساعه بالدخان من فيه، فإنه لا ينقطع ما بين يديه وشفتيه، ثم إنه غمز زرا فأتت الخادم فقدمت إلي جاما فيه القهوة، وإليه جاما آخر تدل نكهته على ما فيه، فأتى كل واحد منا على ما في جامه، ثم لم يلبث أن انحلت عقدة لسانه بتأثير ما تناوله، فطفق يثر على بآخر الأخبار اليومية المنشورة بعد الزوال من لندن وباريس ونيويورك، ويقول فاز فلان في السباق في باريز وانتخب اللورد فلان في مجلس اللوردات لرياسة اللجنة التي تبحث في القضية الهندية، وانتحر المليونير فلان في نيويورك، فتركته يتخطى أخبار السباقات والانتحارات إلى ما يتعلق بنجوم السينما، وأنا أبسم له أخالقه، وأظهر إليه أن كل ما هو فيه مستحلى عندي مقبول لدي، ثم كأنه شعر بأن المكان ضاق فيه صدري فاستأذن في جولة خارج الدار، فخرجنا وفي يده محجنه الذي يشير به يمينا وشمالا، وسار وهو يتأود، وكلما مرت آنسة أجنبية يشير إليها من بعيد وتشير إليه، وربما وقف معها تريه صورة من جريدة أو تستفسره عن أخبار عالمية، فكنت أنتحي جانبا حين يواقف إحداهن حتى يفرغا من الحديث، ثم مررنا أمام دار السينما فشرع يشير بمحجنه إلى صور معلقة في الجدار يبين لي أسماء أشخاصها، فلم نزل كذلك نحو ساعة، ثم جلسنا في مقهى، فسأل الخادم عما نشرب، فذكرت أنا له شراب الرمان -وكنت أتشهاه دائما- وذكر له شرابا آخر لا أعرفه، ثم شرع يمدح جو دار الدبيبغ ويذم بكل ما أوتي من ذلاقة لسان جو المدينة ويقول: إنها طافحة بالمكروبات، ولا أدري كيف تسمح إدارة الصحة بترك الناس يسكنونها، فقلت له: إن مثل ذلك الجو لا يضر من يألفه، وخصوصا من تربى فيه من صغره، فقال: إلى متى نمدح أمثال هذه الأطلال، ونسميها بالمدن؟
ثم حملق إلي حملقة ارتعت منها، وقال: لو كانت ذات يدي تتسع لسكنى أوربة لما رأيتني بعد هنا، فإن الحياة هنا لا يطيقها مثلي ولا يستطيعها، ولكن إن نجح هذا العمل الذي افتتحته أخيرا فإنني سأطلق هذه البلاد إلى بلاد المدينة الوهاجة، حيث يتربى أولادي تربية حرة، وأصرح أنا كذلك بأفكاري حيث لا أجد إزائي أخا يضايقني، ولا جارا ينظر إلي شزرا، فإنني هنا غريب، فلولا الأجانب لما وجدت لي معاشرا، ولا اتخذت مسامرا، فأما هؤلاء الذين ولدت من أحدهم فإنهم ينبذونني وأنبذهم، وينفرون مني وأنفر منهم، أو ليس من العجيب الغريب الذي يستوقف الأنظار ويحير الأفكار أنهم صاروا يؤاخذونني حتى في الحرية