فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 13
الشخصية، فيحبون أن أسحب أمثالهم ذيول ما ألبس، فلا أجول إلا في الفضفاض المتدلي الأكمام، ولا يزال ما على رأسي مكوما بما يسمونه العمامة، وما هي إلا عش غراب كبير إن تراءى للأعين من بين أغصان الأشجار؟ فما هذه الهمجية الواسعة النطاق؟ أفيعيش هؤلاء في هذا القرن العشرين حقا؟ أفوصلت هؤلاء ما أعلنته ثورة 1789 م من حقوق الإنسان من الحرية والإخاء والمساواة؟ ولكن كيف يعرف ذلك من يجهل وقوع ذلك الحادث العظيم يوم كان نسف الباستيل أساس الحرية والإخاء والمساواة في العالم؟ يوم قام ميرابو يعلن على العالم ما يعلن، فإن جهلوا ما وقع إذ ذاك في هذا العالم القديم الذي تحت آنافهم فكيف يدرون ما قام به واشنطون في العالم الجديد في ذلك العهد؟
فتركت الدكتور يتفيهق بلسان ذرب بكل ما يضمره لأمته من سوء، وبوده أن تأتي دولة غربية فتحملها بالقوة على نبذ كل ما يسميه غباوة من الأديان والأخلاق الفاضلة، ولكن الدول الغربية أدهى وأعقل من صاحبنا، فإن كل دولة منها تمكنت من مثل هذه الأمة تحاول أن تبقى على ما وجدته متأصلا فيها من دين وخلق وجمود، فلا ترتاع إلا يوم ترى سوى ذلك لما لها في ذلك من مئارب أخرى.
وعند غروب الشمس تملصت بلطف من صاحبي حتى أديت شعيرة ديني، فلحقت به وهو لا يزال يتسكع في الشارع الكبير في دار الدبيبع، فقال: إن وقت العشاء قد حان، فهلم لتقضي منه قبل أن يفتح الفصل الأول من رواية تمثيلية عالية المنزع، يتخللها رقص آنسة خلابة طائرة الصيت في العالم، وهي نجمة جديدة كسفت كل نجوم السينما المعروفة، فأسرع أسرع قبل أن تفوتنا لحظة من ذلك، فنخسر أسعد ساعة من أعمارنا ثم لا نجد لها عوضا، فمدت المائدة المحتوية على لحم أرنب ونوع خاص من الحوت بطهي أوربي، فمد إلى الشوكة والملعقة، فأقبلت كما أقبل على الطعام، وهو يتناول أثناء الأكل ما في كأس كبير من الأشربة التي يألفها، وقد عرضها علي فاخترت عليها الماء الصرف، فصار أثناء الأكل يذم المآكل الأهلية، ويسخر من الطواجين والبساطيل، حتى وصل الكسكسو فصب عليه جام غضبه، فقال: إن كل الطعام الأهلي لا أكاد أشمه إلا أحسست بنفسي أختنق، ومتى تذكرت أوساخ النساء الأهليات الطاهيات يثور ما في بطني حتى أوشك أن ألقي كل ما في أمعائي، فيا للهمجية والأوساخ وبلادة العقول والمكروبات المتراكمة فلا أود إلا أن أنسف في لحظة واحدة كل هذه الهمجية بديناميت واحدة حتى يطهر الوجود منها بالكلية.
على هذا الوتر صار صاحبي يضرب بكل ما في عزمه من قوة وما في لسانه من فصاحة، فأوسعت له صدري، وتركته حتى تأتي ساعة مناظرته، لأنني أوقن أنه متى صلح قلبه بالدين الإسلامي تزول بسرعة عنه كل هذه الظواهر التي ملكت عليه مشاعره، فكل من كفر بدين أمة وامتلأ قلبه بجعلها المثل الأعلى في التأخر والهمجية، فإنه لا يمكن أن يرضى عنها بعد إلا متى رضي عن دينها، وقد أدركت أن الدعاية التي وصلت بأمثال هؤلاء الأغمار إلى هذه الحالة التي تحملهم على كراهة أمتهم وكل ما فيها، ومحبة غيرها من الأمم الأجنبية وكل ما إليها، ما أمكن لها أن تجد معششا في صدورهم إلا بعد أن أزالت عنها دين تلك الأمة إزالة تامة، فأمكن لها حينئذ بسهولة أن تبذر بذورها كما تريد، فنجحت كما نرى غاية النجاح، وكذلك الدواء يوضع كما وضع ذلك الداء، فليحاول في أمثال هؤلاء تفهيمهم الإسلام أولا، ثم إذا فهموه فما أسهل أن يفهموا كل ما وراءه، فإن الغشاوة سرعان ما تزول عن أبصارهم، فيوقنون أن كل أمة أمة لا تخلو -وإن بلغت في المدنية ما بلغت، أو في التأخر والانحطاط ما بلغت- من الحسن والقبيح ومن أناس يمثلون كل الطبقات في الرقي وفي الإسفاف، ولهذا تركت صاحبنا الآن لضيق الوقت عن مفاتحته في هذا الباب ...
ماذا رأينا في دار التمثيل؟ رأينا أدوارا كلها خلاعة صريحة، وتهتك يندى به جبين الفضيلة، وأما تلك الراقصة التي وصفها صاحبنا المسكين بما وصفها به فإنها امرأة نصف، ألحت على ما تبقى في أطرافها من روعة جمال بأصباغ مختلفة حتى أصبحت كما قال الشاعر:
تعددت ألوانها كأنها قوس قزح
فلم تزل في تلو وانعطاف، ويداها تلعبان بأذيال ثوبها حتى كاد يظهر منها ما اجتمعت الأديان وأصحاب الفضيلة والأخلاق على وجوب صونه، ولم يظهر لي أنا منها ما يظهر لأمثال صاحبي الذين يكادون يخرجون من جلودهم لما صارت تمثل أدوارها على المسرح، اللهم إلا صوتها الرخيم فإنني أعذرهم إن تأثروا بأناشيده، فكم مرة سمعت صاحبي بعد أن ملت كفاه من التصفيق، تفلت منه على رغم إسراره صيحة بقوله (الله) فعجبت كم بين الأخوين، فأخوه الصوفي كان عهدي به أمس يقولها في الزاوية مستقبل القبلة، وهذا يقولها في دار الخلاعة وهو مستقبل هذه الرقطاء التي تتلون لأمثاله كما تتلون في أثوابها الغول.
إبطانا هناك حتى تجاوزنا نصف الليل بكثير، ثم جاء معي صاحبي حتى هيأ مضجعي، فقال: إنه لا يزال