فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 14
لي أرب في الخارج، فغاب ما شاء الله حتى بقي للفجر نحو ساعتين إذا به مع امرأة تتسلل به خفية وهو سكران، ولا يزال يلفظ ببعض كلمات من أغنية رددتها الممثلة كثيرا على المسرح، ولا يكاد يفصح بما يقول، ورفيقته تضع يدها على فيه، كأنها تعرف أنني في الدار فلا تريد أن أستيقظ لأراه على تلك الحالة السمجة، ولكنني بت سهران أرقا، أفكر في أمثال هؤلاء الشبان الذين حرمتهم أمتهم، وفقدت جهودهم في كل ميدان من ميادين حيوياتها، وتناومت لما أحسست بتلك المرأة تعتل السكران برفق، وتهدئه ليخفض من صوته المتلعثم ببقايا من تلك الأغنية، ثم لما مست زر الكهرباء في الممر، وقادته أمامي، ألقيت بصري على المرأة فإذا بها عين الراقصة، وقد راعني تغير وجهها عما كان عليه آنفا، فأدركت أن ما تراءى لي منها من بقية جمال إنما هو من آثار المسحوقات المذرورة على أطراف محياها، ثم بعد أن أضجعته وألقت عليه الغطاء بمعاونة الخادم التي جاءت أخيرا، غادرت المكان، فقلت في نفسي: في هذا الوقت نفسه استيقظ أخوه لمناجاة ربه سالما معافى، وها أنذا أرى أخاه هذا لم يرجع إلى فراشه إلا في الوقت نفسه، فيا للفرق العظيم بين الأخوين!
كنت هيأت لي وضوءا إزائي من أمس فأديت فرض ربي، ثم غلبني النعاس غلبة شديدة، فلم أستيقظ حتى متع النهار كثيرا، فوجدت رب المثوى قد استفاق قبلي، فحياني من إزاء فراشه وحييته، ثم أقبل على الشغل الشاغل الذي يشتغل به أمثاله في كل صباح، فمشط وفرته بعد ما غسلها غسلا جيدا، ثم أقبل عليها بالمسح الكثير، ثم صب عليها قارورة تامة من عطر ثم وقف أمام المرآة يمر الموسى على ذقنه وعلى خديه، ثم ذر على وجهه ذرورا أبيض، ثم استبدل لباسه، وحين نزع حذاءه اندفعت إلى أنفي رائحة خبيثة كأنما انفتح المستراح تحت أنفي، ولكنه هو لم يبال بذلك ولا استرعى همته، ولعله من فريق من الذين لا يتعهدون كثيرا أسافلهم بالنظافة وبالغسل، كما يفعله غالب شبان اليهود المتفرنجين، فقد حدثني طبيب أوربي في السويرة أنه تعجب كثيرا من نظافة المسلمين حتى العملة منهم، ومن وساخة اليهود المتفرنجين، قال: إنني كلما تعرى أمامي يهودي أشم من أوساخ أواسطه وأسافله ما لا أكاد أملك نفسي معه من الغثيان، وأما المسلمون فلا أجد ذلك منهم، حتى إذا تعرى أمامي أحد العملة منهم وهو وسخ في مظاهره وفي أطرافه، أجد مغابن بدنه وأواسطه وأسافله نقية، فلما بحثت علمت أن السبب هو الوضوء الذي يتعاطاه المسلم مرات في اليوم، والغسل الذي ربما لا يتركه أحدهم أياما متوالية.
وبعد أن فرغ صاحبي من شغله الشاغل، جلس أمامي جلسة الدكاترة، فاستدعى بالفطور إلا أنه تناول جرعات من أدواية مختلفة قبل الإفطار.
أتممنا تناول الإفطار على نحو العاشرة فقال رب المثوى: إنني سأذهب الآن لمباشرة عملي، فقلت له: ومتى تخلي لي ساعة أفاوضك فيها؟ فقال: بعد الغداء، فقلت: إن شاء الله، فقال متهكما: ما معنى إن شاء الله؟ فإن الأمر لي، فقد شئت، والسلام، فلم أجبه إلا ببسمة فقط، ثم خرجنا، فصاحبته حتى وصل معمله، فذهبت إلى المدينة، فإذا بي ألقى أخاه سعيدا، فقلت في نفسي: إنها لمصادفة حسنة، فذكرت له أنني سأرافقه العشية لأبيت عنده في تازة، فرحب وواعدني الملاقاة على الساعة الرابعة في العشية في مكان عيناه.
وصلت في وقت الغداء إلى إلى باب دار حماد، فراعني خروج طبيب منها فحييته وحياتي، فقال لي: إنه لا باس عند حماد، فإن الضربة لم تصب مقاتله، وإنما هناك أثر لكمة شديدة غشي عليه بها قليلا، وها هو ذا أفاق الآن من غشيته، وقد ألزمته أن لا يزايل فراشه إلا بعد الثانية، فحين رآني مشدوها مما يقول، أدرك أنني لم أكن أنتظر هذا الخبر الذي فجأني به: فقال كأنك لم تسمع بعد بما وقع لحماد؟ فقلت له: لا، إلا أنني يهمني أن أعلم جلية الخبر كما هي، فقال: منذ ساعة استدعيت بالهاتف على العجلة فوجدت حمادا أمام معمله ساقطا على وجهه مغشيا عليه، ومحافظ الأمن واقف على رأسه، فقيل لي: إنه سقط بسبب مخاصمة مع بعض الأشقياء الأقوياء من الذين لا يزالون أرصاد الحانات، وأزيار الغواني، فقد كانا تشاجرا أمس من جراء راقصة تنافسا في الاستيلاء عليها إثر انقضاء فصول التمثيل، ثم سعد بها حماد، فتركه الشقي إلى أن فتح معمله بعد الساعة العاشرة اليوم فنهد إليه، فحاول حماد أن يتملص من مشاغبته، ولكن الآخر يلح عليه في المبارزة على العادة الأوروبية، فأبى حماد كل الإباء، لأنك لا تجهل أن حمادا ليس من رجال ذلك الميدان، فلما لم يجد الشقي بابا إلى شفاء غليله من صاحبه صمد عليه بلكماته، فحاول حماد أن يجيبه بمثلها إلا أنه ضعيف النكاية، فأصابته من الشقي لكمة شديدة لو أصابت أحد مقاتله لقضت عليه، إلا أنه سلم بأعجوبة، فغشى عليه، هذا ما وقع له، وهو الآن في نوم يسترجع به قوته، ولذلك أوصيت على أن لا يوقظه أحد.
فأحسست بأن الرجل أوتي من قوله آنفا حين نسب المشيئة لنفسه لا لخالقه، فانقدح لي أن أتخذ الحادثة مفتاحا لما أريد أن أفاتحه فيه، فقلت: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وكم نقمة في طيها نعمة، وإذا أراد الله أمرا هيا أسبابه، إن ربي لطيف لما يشاء.