فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ص 03

للأستاذ: السيد أبي الأعلى المودودي

تعريب محمد كاظم سباق

من حوادث مطلع القرن الثاني للهجرة أن رنبيل ملك سجسنان والرخج، كسر الخراج، وأبي أن يدفعه لعمال بني أمية، فأغاروا عليه الغارات ن ولكنه لم يخضع في أيام الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك بعث إليه وفدا من المسلمين يطالبه بالخراج، فلما دخل عليه الوفد أقبل عليهم يسألهم:

أين القوم الذين كانوا يأتوننا من قبلكم خماص البطون من الطوى، ينتعلون الخوص وفي وجوههم سيماء من أثر السجود؟

قيل له: قد مضوا. فقال رتبيل: أنتم لاشك أنضر منهم وجوها، ولكنهم كانوا أصدق وعدا وأشد منكم بأسا. ويقول المؤرخ أن رتبيل قال قوله هذا والتوى بما عليه من الخراج، وما زال خالعا يده من طاعة الحكومة الإسلامية مدة نصف قرن أو نهزه.

ذلك في عهد كان كثير من التابعين وتابعيهم فيه على قيد الحياة، وكان زمان الأئمة المجتهدين، لم يمض على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا قرن واحد، والمسلمون أمة موفورة القوة والحياة، لا يزالون يبسطون نفوذهم على الدنيا، وقد ملكوا فارس والورم ومصر وإفريقيا وأسبانيا، ولا تساميهم أمة من أمم الأرض في العدة والعتاد، والعزة والبذخ والثورة والأموال هذا الإيمان يعمر القلوب، وأحكام الشرع تتبع أكثر مما تتبع الآن، ونظام السمع والطاقة قائم، والأمة ينظمها تنظيم محكم، إلا أن خصمهم الذي كان قد صارع أسلافهم البدو السذج من رجال عهد الصحابة، عجم عهودهم، أحس بفرق عظيم بين هؤلاء الشاكين في السلاح، وأولئك المعدمين العزل.

من أي شيء كان هذا الفرق يا ترى؟

كأني بعلماء فلسفة التاريخ يجعلونه فرقا بين البداوة والحضارة، فيقولون: أن أهل البداوة كانوا لشظفهم أصبر على المشاق، والذين جاؤوا من بعدهم جعلتهم الثورة والتمدن يألفون الدعة والعيش الناعم، ولكني أقول: لم يكن ذلك علة هذا الفرق، بل كانت علته في الحقيقة هي الإيمان والإخلاص والنية والأخلاق وطاعة الله ورسوله، فهذه كلها كانت مأتى القوة الحقيقية لمسلمين، لم تكن قوتهم من كثرة العدد ولا من حذق العلوم والصناعات ولا من توفر لوازم الحضارة والتمدن، وإنما كانوا نهضوا بقوة الإيمان والعمل الصالح، وهذه هي التي جعلتهم أعزة في العالم، وألقت في قلوب الأمم هيبتهم، كما ملأتها ثقة بخلقهم وأمانتهم، وهم ما داموا حائرين لهذا الذخر من القوة والعزة، بقوا في الأرض أقوياء يجلون ويرهبون مع قلة العدد ونزر الزاد، ولكنه لما ضاع عنهم هذا الذخر أصبحوا يضعفون على مرور الأيام وأصبحت ريحهم تفشل، ولم تغن عنهم كثرة العدد واستفاضة الأسباب المادية.

فقد رأيت أن الذي قاله رتبيل ـ وهو عدو للإسلام والمسلمين ـ هو أوعظ من آلاف المواعظ والوصايا نسمعها من أوليائنا والناصحين، قد بين رتبيل في الحقيقة أن القوة الحقيقية لأمة ما ليست في جيوشها الزاحفة ولا في أسلحتها اللامعة ولا في وسائلها وأسبابها الكثيرة، بل قوتها هي الخلق الفاضل والسيرة الطيبة والمعاملة الصحيحة والأمل البعيدة، وهذه هي تلك القوة الروحية التي تفتح قلوب الأمم بدون الوسائل المادية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت