فهرس الكتاب

الصفحة 928 من 5287

وتمكن المتربين من مساير المترقين، ولا تملكهم البلاد والأقطار فحسب، بل تملكهم مع ذلك النفوس والقلوب بهذه القوة يتقدم اللابسون نعال الخوص، المهزولون المعرقون، المغمدون سيوفهم في الاطمار، فيشعرون أهل الأرض من أنفسهم من الهيبة والرعب والسيطرة والجبروت والقدر والمنزلة والسلطة والثقة، ما لا يتهيأ أبدا للابسي الوشي والديباج، وإخوان البذخ والترف، أولى الوجوه الناضرة والمنازل الرفيعة، والمتجهزين بالمناجيق الضخمة والدبابات الفخمة.

ذلك أن وفرة القوة المعنوية تتلاقى قلة الأسباب المادية، ولكن وفرة الأسباب المادية ما كانت لتلافي فقدان القوة المعنوية، ولو أن غلبة تحصل بدون هذه القوة، فإنها أحرى أن تكون عارضة مؤقتة، لأن القلوب لا تفتح أبدا بدون هذه القوة، إنما تتطأطأ الرقاب، ثم تبقى لتنتهز أول فرصة للتشامخ والاستكبار.

ألم تر أن البناء لا يتحقق أحكامه بنقوشه وزخارفه وألوانه، ولا بفنانة الرحب وروضته الغناء، ولا بأي جمال خارجي آخر، كما لا يزيد في قوته كثرة ساكنيه، ولا وفرة أثاثه ولا تعدد أجوف الجدر متآكل العمد متفتت الألواح والخشب، فإنه لا يمنعه شيء من السقوط، وإن كان عامرا بالأهل زاخرا بالمتاع، يسر الناظرين بزينته وتحاسينه. أنا نحصر نظرنا في المظاهر، ولا تكاد أبصارنا تتعدى منظر عيوننا، ولكن حدثان الدهر لا يقف فعله عند الظاهر، بل هو ينفذ إلى الصميم، فهو يمارس الأسس وبخير متانة الجدران ويمتحن سلامة العمد، فإن وجد هذه كلها محكمة متراصة أرتد كالموج ترده الصخرة الصماء، وقوي عليه البناء برصانته وأحكامه، مع أنه عاطل من كل زينة، وإن كانت الأخرى، حطمته لطمأت الحدتان حتى ينهار مع كثرة سكانه وجوده نقوشه وألوانه.

هذه بعينها هي حال الحياة القومية، فالذي يجعل أمة ما قوية غالبة بين الأمم ليس منازلها ولا ملابسها ولا مركبها، ولا مرافق حياتها الناعمة ولا فنونها اللطيفة، ولا مصانعها ولا كياتها ـ بل هو المبادئ التي تقوم عليها حضارتها، ثم هو رسوخ تلك المبادئ في القلوب، وهيمنتها على الأعمال، هذه الأشياء الثلاثة أي سلامة المبادئ، والإيمان القوي بها، وهيمنتها الكاملة على الحياة العملية، هي في حياة الأمم بمثابة الأساس المتين والجدار القوي والعماد المحكم في البناء.

فالأمة التي توفرت فيها هذه الأمور الثلاثة تامة، فلا جرم أن تكون غالبة بين الأمم، تعلو كلمتها في الأرض، وينبسط نفوذها على الشرق والغرب، وتتأصل ثقتها في القلوب، وتخضع لأوامرها الرؤوس، وتكون مكرمة محترمة، وإن كانت تسكن الأكواخ وتلبس الأسمال، وكان أفرادها ضامري البطون من إلحاح الفاقة، ولم تكن في مدائنها كلية، ولا ارتفعت من حاراتها مدخنة، ولا كانت لها في العلوم والصناعات يد، ذلك بأن كل هذه الأشياء التي تعدونها من أسباب الرقي والتقدم، وأن هي إلا نقوش وألوان للبناء، وليست أسسه وقواعده وأركانه، وأنت إن كسوت الجدران المنخورة ورق الذهب فلن يمنعها من الانهيار، وهذا هو الذي يعيده القرآن ويكرره:

فيصف مبادئ الإسلام بأنها تطابق تلك الفطرة الثابتة غير المتبدلة التي قد قطر تعالى عليها الإنسان لذلك فإن الدين الذي يقيم جميع شؤون المعاش والمعاد على الطرق الصحيحة المستقيمة: «فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها، ولا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعملون» (الروم) . ثم يقول بعد ذلك أن استمسكوا بهذا الدين القيم وآمنوا به واعملوا بمقتضياته، تغلبوا في الدنيا وتورثوا الأرض وتستخلفوا فيها: «إن الأرض يرثها عبادي الصالحون» الأنبياء. «وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» (آل عمران) . «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض» (التوبة) .

«ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون» (المائدة) .

وبخلاف هذا، إن الذين قد دخلوا في حظيرة الدين في ظاهر أمرهم ولكن لم تخالط بشاشته قلوبهم ولا هو قد أصبح قانون حياتهم، فلا ريب أن ظاهرهم ورائق معجب (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) وأقوالهم لذة للاستماع (وان يقولوا تسمع لقولهم) ولكنهم في الحقيقة جثث هامدة لا روح فيها (كأنهم خشب مسندة) يخافون الناس أكثر مما يخافون الله (يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) أعمالهم كسراب يتراءى كالماء ولا ماء في الحقيقة (أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) ، وأمثال هؤلاء لا يمكن أن تتأتى لهم قوة جماعية لأن قلوبهم متنافرة، وهم لا يستطيعون أن يتشاركوا في عمل من الأعمال بالنية الخالصة (بأسهم بينهم شديد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت