فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) فلا يمكن أن يكون لهم من القوة ما يختص بالمؤمنين الصالحين (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر) وهم لن ينالوا إمامة العالم (قال لا ينال عهدي الظالمين) ، وليس لهم من العاقبة إلا أن يذلوا ويخزوا في الدنيا ويلقوا في الآخرة عذابا وعقابا (لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) .
ولعلك تعجب أن كتاب الله لم يقرر الذريعة إلى رقي المسلمين وغلبتهم في الأرض إلا الإيمان والعمل الصالح، ولم يدع المسلمين أن يؤسسوا الجامعات وينشئوا الكليات ويفتحوا المصارف ويخترعوا الآلات، وإن يحاكوا الأمم الراقية في اللباس وطرائف الاجتماع والعادات، ثم أنه جعل السبب الوحيد للتخلف والانحطاط وخزي الدنيا والآخرة وهو النفاق، لا انعدام الأسباب التي تحسبها الدنيا أسباب التقدم والرقي.
ولكنك إن تفهمت روح القرآن وغصت معانيه السامية، زال عنك هذا العجب، فأقل ما يجب أن يفهم في هذا الصدد هو أن الشيء الذي يقال له «مسلما» لا قوام له بالإسلام، ولا يتحقق وجوده من حيث أنه مسلم إلا بالإسلام، فهو أن يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويتبع القوانين التي أنزلت عليه بتحقيق إسلامه، وإن كان يملك شيئا آخر ما عدا الإسلام، وبالعكس من ذلك أن يكن متحليا بكل ما يعد من زينة الحياة الدنيا ولم يعمر قلبه الإيمان ولم تتصف حياته بإتباع قوانين الإسلام، فإنه يمكنه أن يكون حائزا لدرجة أو طبيبا بشهادة أو مالكا لمصنع أو رئيسا لمصرف أو قائدا لجند أو أميرا للبحر، ولكنه لا يمكن أن يكون مسلما، لذلك لا يجوز أن يعد رقي ما رقي فرد مسلم أو أمة مسلمة، ما لم تتحقق الحقيقة الإسلامية في ذلك الفرد أو الأمة، وبدون هذا لن يكون ذلك الرقي رقي المسلم، مهما كان عظيما، وظاهر أن مثل هذا الرقي لا ينشده الإسلام ولا يطمح إليه ببصره.
ثم أنه قد يكون أن أمة ما ليست بمسلمة وقد أسس على غير الإسلام أفكارها وأخلاقا ونظامها الاجتماعي، هذه الأمة يمكنها ولا ريب أن تنهض بالمبادئ الخليقة والسياسية والاقتصادية والمدنية التي تختلف عن الإسلام، ثم تبلغ أوج الرقي الذي تعده رقيا من وجهة نظرها، ولكنه مما يغاير هذا ويختلف عنه البتة أن يكون أمة قد أسست أفكراها وأخلاقها ومدينتها واجتماعها وسياستها واقتصادها على الإسلام، ثم تكون ضعيفة في هذا الإسلام من ناحيتي العقيدة والعمل كليهما، فمثل هذه الأمة هيأت لنفسها من أسباب الرقي المادي، لا يمكنها البتة أن تنهض في الدنيا أمة قوية شديدة البأس، غالبة على غيرها من الأمم، وذلك بأن الذي عليه أسس وجودها القومي وأخلاقها وحضارتها هو نفسه ضعيف واه، وهي القاعدة والأساس هيهات أن تتلافاه الزينة والجمال الظاهر.
على أنه ليس المقصود بهذا كله أنا ننكر الأهمية الصحيحة للعلوم والفنون وأسباب الرقي المادي، بل المقصود أن هذه كلها في الدرجة الثانية للأمة المسلمة، يتقدمها كلها أحكام الأساس، فإذا استحكم، فلا حرج أن يتخذ من وسائل الرقي كل ما يلاءم هذا الأساس، بل من الواجب أن تتخذ جميع تلك الوسائل، ولكنه إذا كان الأصل بنفسه واهيا، وكانت جذوره في سويداء النفوس ضعيفة، وسيطرته على شؤون الحياة فاترة، فلا بد من أن تنحل الأخلاق وتسوء سيرة الأفراد وتفسد المعاملات وتسترخي ضوابط النظام الاجتماعي وتتشتت القوى والكفاءات، ولا تكون نتيجة ذلك إلا أن تخور قوة الأمة وتشل كفتها في ميزان الأمم الدولية مع مضي الأيام، فتغلب الأخرى عليها، وفي هذه الحالة ليس يغني عنها شيء من كثرة الوسائل ووفرة الجامعيين الأفاضل والزينة والزخرفة الخارجية.
ثم هنالك، فوق هذا كله، أن كتاب الله يقول بكل ثقة: «أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين» و «ألا إن حزب الله هم الغالبون» و «عد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض» فترى ماذا تستند إليه هذه الثقة، وبناء على أي شيء ادعى القرآن أنه مهما كانت عليه أمم الأرض من الوسائل المادية، سيغلبها المسلمون لا محالة بسلاح الإيمان والعمل الصالح وحده؟.
هذه العقيدة يحلها القرآن بنفسه، فاسمعه يقول: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا. وإن يسليهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب، وما قدروا الله حق قدره، إن الله قوي عزيز» (الحج) . و «مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» (العنكبوت) .
المقصود أن الذين يعتمدون على القوى المادية، يعتمدون في الحقيقية على أشياء ليست لها في نفسها قوة، ومن نتيجة هذا الاعتماد على ما لا قوة له أنهم يعودون