فهرس الكتاب

الصفحة 4757 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 ص 50

للأستاذ: عبد القادر زمامة

كثيرا ما نجد في تاريخ التفكير البشري أن مسميات العلوم والفنون وسائر ضروب المعرفة تسبق ـ أسماءها ـ بحقبة من الزمن قد تطول وقد تقصر .. فالنقد والبلاغة كان موجودين قبل أن نسميهما بهذين الإسمين، وتروة الأدب العربي في العصر الذي يسمى بالعصر الجاهلي كانت لا تخلو من نقدات عابرة، يرسلها الجاهليون في محفل أو موسم يرفعون بها من شأن شاعر أو يضعون من أجل قصيدة أو قطعة أو بيت ... فهو أشعر أهل المدر .. أو أشعر أهل الوبر .. بل هو أشعر من نطق بالضاد. أحيانا ..

وقصة التحكيم في عكاظ بين الشعراء وأحكام هؤلاء (المحكمين) تركت لنا في: طبقات الشعراء لابن سلام، والكامل للمبرد، والأمالي، والأغاني. نقدا أدبيا لكثير من القصائد والمقطعات والأبيات .. فيه ألغث والسمين .. والرخيص والثمين .. وهو في جملته نقد فطري عابر .. ينقد المعاني تارة، واللغة أخرى .. ويرسل الأحكام جزافا من غير مكيال ولا ميزان .. حتى إننا لنبتسم حينما نجدهم يقولون: (أشعر الجاهليين امرؤ القيس إذا ركب .. وزهير إذا رغب .. والنابغة إذا رهب .. والاعشى إذا طرب)

في القرن الأول:

وأشرقت شمس الإسلام على العرب فكانت معجزته الكبرى في القرآن الذي نفذ ببلاغته إلى أعماق النفوس فآمنت إيمانا فطريا، وكان الإعجاز عندها قضية وجدانية مسلمة ..

أما الشعر فكان استمرارا للشعر الجاهلي .. خبت ناره في عهد الفتوح الأولى .. ثم استأنف حياته بعد ما ظهرت فيه عدة اتجاهات فيها البدوي الموحش، والحضري المتأنق، والعفيف المصون، والماجن المتهتك ..

وكان النقد في هذه الحقبة الأولى شبيها بسلفه في العصر الجاهلي، يحوم حول الشعراء ولا يتعمق، ويطفو فوق الإنتاج ولا يغوص، والأمثلة عندنا كثيرة لهذا النقد في معركة جرير والفزدق والأخطل وما قام حولها. وفي مجالس خلفاء بني أمية في دمشق حيث كان حديث السمر لا يخلو من إنشاد الشعر ونقده والتعليق عليه، بما يرفع الشاعر لينال الجائزة أو بما يضعه ليكون من المحرومين ..

ومن الطريف أن نجد المرأة العربية تسهم في ميدان النقد الأدبي بين الشعراء، فهناك مجالس سكينة بنت الحسين التي كانت تنقد شعراء عصرها، وعائشة بنت طلحة، وعزة، وغيرهن، وقد كان الشعراء يتهيبون سهام الناقدات كما يتهيبون سهام الناقدين ..

وأخبار الأحوص، والعرجي، وكثير، وجميل، وعمر بن أبي ربيعة مليئة بكلام النقاد ـ رجالا ونساء ـ وقد احتفظ لنا أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني بكثير من هذا النقد الذي لم يكن في جوهره إلا محاولات تهدف إلى تقويم المعوج من لغة الشاعر .. أو إصلاح خطأ وقع فيه من ناحية المعنى، أو إظهار اقتباس أو سرقة شعرية، والشيء الجديد في هذا العصر هو أنه أصبح للمغنين والمغنيات رأي مسموع في نقد الشعر والشعراء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت