فهرس الكتاب

الصفحة 2269 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 ص 3

دراسات إسلامية: تجديد الميثاق

لمعالي الأستاذ عبد الكريم بن جلون

وزير التهذيب الوطني

نص المحاضرة التي ألقيت يوم الجمعة 20 رمضان المعظم 1379 الموافق 18 مارس 1960 بنادي جمعية قدماء المدرسة المغربية الإدارية بالرباط ...

أخواني الأعزاء

منذ زمن غير قريب توجهت عناية المصلحين في مجتمعنا العربي الإسلامي إلى استيعاب الأخطار التي تحدق به من جراء التدهور القديم الذي لا زلنا نتخبط فيه، والتدهور الجديد الذي أضفناه إليه، حتى صار انحطاطا مدسوسا على انحطاط متين، وتدهورا مستترا على تدهور شهير، يخشى أن تنهزم في تكاتفهما الروح هزيمة نكراء أمام الحياة إذا استمرت الحالة على ما وصلت إليه في الوقت الراهن. فتساءل البعض عن مدى تتبع مجتمعنا للحضارة الآلية العصرية في بعض مظاهر مجراها الحالي، وتساءل الكل عن وسائل تلافي ذلك الخطر المحقق والتوفيق السليم بين حياة معنوية موروثة وبين حياة آلية مفاجئة.

فكان في كتاب السيد مالك بن نبين الكاتب الجزائري المشهور، أول صورة علمية حية عن المشاكل المشار إليها، وعن سر تأخر عالمنا العربي وفشل طريق الإصلاح فيه، حيث فقدت عقيدته إشعاعها الاجتماعي وآلت إلى عقيدة فردية منفصلة عن المجتمع والبيئة، لذلك يرى كاتبنا من الضروري إعادة الإشعاع الاجتماعي إلى تلك العقيدة التي أمست ذاتية في تطورها وذلك عن طريق ما يسميه الأستاذ مالك تجديد الميثاق.

وقد أحببت أن أستعير من كاتبنا لفظ تعبيره، فاجعله عنوانا لحديثي الليلة محاولا أثناءه البحث عن أصل هذا الميثاق ومضمونه قبل النظر في مسألة تجديده الميثاق - كما تعلمون - هو العهد المؤكد باليمين «واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا واطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور» . أشارة من الله إلى دينه وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده.

فميثاق الله فيض من نوره أشرق على الدنيا ليضيء ظلماتها وينير للإنسان السبيل السوي الذي يوصله إلى الغاية التي رسمها - سبحانه وتعالى- لعباده. إشارة من الله إلى دينه وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده.

فميثاق الله فيض من نوره أشرق على الدنيا ليضيء ظلماتها وينير للإنسان السبيل السوي الذي يوصله إلى الغاية التي رسمها - سبحانه وتعالى- لعباده. وإن اختار الله بواسع حكمته المجتمع الجاهلي ليفيض عليه النور فما ذاك إلا ليتيح لنا الفرصة لنقابل بين الحال الذي أراد لنا الخروج منه والحال الذي أراد لنا الخروج إليه وليرينا عجز العقل وحده عن التحرر من عبودية الشرك، وعجز الروح عن الارتفاع فوق أوحال الرذيلة إن لم يكن لهما من هديه قبس، ومن رحمته شعاع، ومن جوده فيض.

فلقد كان المجتمع الجاهلي مجتمعا فاسدا روحيا وعقليا وأخلاقيا.

أما الروح فلم يكن لها أي حظ في ذلك المجتمع الوثني الذي ينظر على الكون نظرة سطحية مبعثرة الجوانب لا تنظمها فكرة جامعة ويشوبها الكثير من الأوهام - والخرافات. ولم يكن التوحيد من سبيل بين ذلك الجحفل من الأصنام الساهرة على الطماع والرذائل والحارسة للشهوات والمنكرات، تغل الروح بقيد من الأساطير الباطلة وتحجب عنها وحدانية الخالق وصفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت