فهرس الكتاب

الصفحة 701 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 ص 60

قصة

بقلم: محمد برادة

كان شتاء يدلف إلى أيامه الأخيرة، والأمطار قد خفت وطأتها، والرياح تعزف لحنا حزينا، وسحب دكناء تغلف السماء، والطبيعة رغم الصمت الذي يلفها، يوحي إليك مرآها أنها تتأهب لاستقبال موسم جديد.

لم يكن المساء قد حل عندما كنت واقفا في حديقة البيت مستندا إلى فرع شجرة توت .. ولم يكن في البيت إلا (( أم عبده ) )والدة الفراش، وكنت ألمحها من بعيد وهي تتوضأ لتصلي المغرب. وكان الكلب تستشيره أصوات الرياح، فيندفع صوب الباب، ولكنه سرعان ما يتبين خطاه فيعود ليقعد بجانبي.

كنت أحاول ألا أفكر في شيء، وأن أنسى عالمي الخاص، وأظل مستغرقا في هذه الصورة الكئيبة للطبيعة، ولكن نفسي لم تكن تقل عنها كآبة وحزنا.

كان الحب لم يعرف بعد طريقة إلى قلبي، ولم يتسلل طيفه إلى حناياي ليوقظ فيها البهجة والانطلاق .. كان الحب بالنسبة لي ملاكا جميلا، نصبت له محرابا في فؤادي، ورحت أنشد على مسامعه الأنغام والصلوات ... ولكن انتظاري طال، بلغت العشرين من عمري ولقائي بهذا الحب لم يتم، فهل هو وهم وخيال؟؟ لطالما انتظرته عند كل فصل ربيع، إنهم يقولون أن الربيع موسم الحب، ولكن، كم ربيعا مر دون أن يهبني الحب، لاشيء غير الحسرات .. هو ذا الربيع يعود وأنا لازلت أمني النفس بلقاء معه .. لابد أن الحب لأجرب مفعول هذا الساحر العجيب، أني أشعر بقلبي يكاد يعلوه الصدا، وأخشى أن يضل الحب طريقه إليه فيتجمد ويتحول عن وظيفته. إني لا أستطيع أن أستقبل شتاء آخر وأنا خالي الوفاض من الذكريات. (( يا ويله من لم يحب، وكل الزمان حوله شتاء ) ).

وانتشلتني من خواطري ضحكات الطفل (( فؤاد ) )وهو يتأرجح في مشيته متجها نحوي، كان في عامه الثاني، وحيد أبوابه، وقد أتوا من الحجاز ليقضوا بضعة أشهر، واجروا الجزء العلوي من المنزل.

وأقبلت على الطفل كالعادة أرفعه بين يدي وأقبله وأغريه بالتلفظ بكلماته المبهمة وهو يحاول أن يعبر عن شيء ما. وبعد لحظات تناهي إلى سمع صوت رقيق يهتف:

ـ فؤاد .. فؤاد أين أنت؟؟.

ورفعت رأسي مندهشا، فلم يكن الصوت الذي سمعته يشبه صوت المربية التي كنت أعرفها. ورأيت فتاة تقترب وهي تصطنع الخفر، فقلت لا بدد الارتباك الذي بدا عليها:

ـ أهلا وسهلا، أشرقت الأنوار.

ـ ناولني فؤاد من فضلك فموعد أكله قد حان

ـ وتذهبين هكذا دون أن أتعرف عليك؟

ـ سأنزل بعد قليل ..

قالتها وهي تبتسم، فناولتها الطفل مثبتا نظراتي في عينيها وقد لفتني فيهما شيء غير عادي. كانت عيناها من النوع الذي يكفي أن تنظر إليه فينقلك إلى أجواء بعيدة .. إلى بحيرة ساجية تنعكس عليها ظلال الزيزقون .. العيون التي تستشعر فيها ألما كامنا، ولكنه ليس بالألم الذي يهد صاحبه، وإنما هو أشبه بالندب الذي تخلفه معركة الحياة طابعا يسم الشخص بالعناد والمجالدة.

لم يكن ملبسها يوحي بمظهر ترف يجعلني أظنها واحدة من الأسرة الحجازية. ولم تكن حداثة سنها تسمح بأن أعتبرها مربية جديدة .. وظللت هكذا يتأكلني الشوق لمعرفة حقيقة صاحب هاتين العينين الدعجارين ذات الأهداب الوطف.

وبخطى وئيدة اقتربت من المقعد، وركزت بصري في الطابق العلوي أتسمع الحركات مستبطئا نزولها كنت متأكدا أنها وحدها مع الطفل، فقد اعتاد الأب والأم أن يرجعان إلا عند ما يوغل الليل. ورأيتها في الشرفة وهي تداعب (( فؤاد ) )فأشرت إليها أن تسرع بالنزول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت