دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 ص47
للأستاذ: محمد رضى شرف الدين
مدخل لغوي: البند: بفتح الباء وسكون النون، كلمة لها عدة معاني، منها البحيرة، والعلم الكبير، والفصل من الكتاب أو الفقرة، والقيد، والحيلة، فإذا قيل فلان كثير البنود: فيعني أنه كثير الحيل، ومنها القول العراقي في اللهجة الدارجة (ضربت فلانا بندا) يعني أوقعته بحيلة، والجمع بنود.
والبند كلمة معربة، أصلها فارسي نقلت إلى العربية مع كل معانيها، في أغلب الظن، ومن معانيها بالفارسية (دربند) يعني: الباب المغلق، أو (درببند) يعني: أغلق الباب، واستعمل بالعربية لكل ما يمت إلى الغلق وأحكامه بصلة.
والبند ضرب من ضروب الأدب العربي، سمي (بندا) لأنه ينظم فصولا يغلق كل فصل منها بقافية (را) .
تعريف البند: والبند في المعنى الأخير هو موضوع بحثي هذا، وهو نوع من الأدب العربي، لا يعرف عنه وطننا العربي في المغرب قليلا ولا كثيرا، ولا يعرف عنه وطننا في المشرق شيئا كذلك، إلا العراق مبتكر البند وصاحبه، اللهم إلا نزر قليل من مؤرخي الأدب في غير العراق ترامى إليهم أخباره.
والبند كلام موزون التزم بحر الهزج غالبا وهو متحرر من القافية إلا ما جاء منها جاريا من غير عناء، ويكتب البند كما يكتب النشر: سطرا بعد سطر، من غير عجز ولا صدر، والقافية فيه غير مشروطة إلا في آخر الفصل، وأكثر ما ورد راء ملحقة بألف على هذه الصورة (را) والفصل قد يطول فيبلغ العشرة أسطر، يتحكم الموضوع يطر له أو قصره.
وقد ينقص البند عن وزر الهجز بسبب واحد أو أكثر، ووتد واحد أو أكثر، وقد يزيد بهما عن الوزن كذبك.
متى ولد البند؟ في غضون الثلاثمائة سنة الماضية من حسابنا الهجري ولد البند في العراق، على ضفاف الفرات الأوسط ودجلة في النجف والحلة وبغداد، وصعد حتى بلغ الموصل، وسار مع المجرى حتى بلغ البصرة، ومثلما وقف على مشارق سوريا غربا، وقف عند ملتقى النهرين في شط العرب شرقا، فلم يتجاوز ذلك لا إلى جنوب ولا إلى شمال.
كانت ولادته في دور انحطاط وخمول يوم كان الوطن العربي في المشرق يتخبط في ظلمات فوقها ظلمات، ظلمات من الجهل فوقها ظلمات من الحكم من العثماني باعث هذا الجهل، وسبب أسبابه.
وكان في العراق متأدبون، ومن الطبيعي أن يكون لهؤلاء خلجات وكان لا بد للخلجات من تعبير، وللتعبير من أداة، وكانوا يملكون منها ما بقصر بهم عن بلوغ مثلهم الأدب الأعلى الذي تحتفظ به دواوين أسلافهم، فإن الذي يملكونه متواضع تتقطع به الأنفاس لهثا في السفح دون القمة، على أن أغراضهم الأدبية الرئيسية يوم ذاك ثلاثة مدح وهجاء ورثاء فإذا تجاوزتها فإلى الاخوانيات.
وكانوا ينظمون هذه المواضيع على جميع البحور العروضية، فيكون منها شعر تتعاصى عليه القوافي،