فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 ص 51
بقلم عبد القادر الصحراوي
الوضع الذي توجد فيه اللغة العربية اليوم في المغرب، لا يمكن وصفه بأقل من كونه مأساة مؤلمة محزنة.
هذه حقيقة بارزة لكل ذي عينين لا مجال إلى الشك فيها أو مناقشتها.
وحقيقة أخرى لا ينبغي أن يفوتنا تسجيلها في هذا المضمار، هي أن المأساة ليست وليدة اليوم أو البارحة، فقد وقع الشروع في نسج خيوطها منذ خمس وأربعين سنة، أي بالضبط منذ 30 مارس سنة 1912 وهو تاريخ عقد الحماية الفرنسية الذي فرض على المغرب فرضا، كما فرضت عقود أخرى من قبيله على شعوب كثيرة كانت مستضعفة مغلوبة على أمرها.
وقد كان منطق الأشياء يقتضي أن يقع الشروع في وضع حد لهذه المأساة منذ يوم 2 مارس سنة 1956 أي منذ الإعلان الرسمي لاستقلال المغرب، ولكن الذي حصل بالفعل - مع كامل الأسف- هو شيء آخر غير ذلك؛ الذي حصل بالفعل شيء آخر كانت نتيجته، أن اللغة العربية - كما يقول كثير من المواطنين- لم تكن يوما ما في المغرب، وإن اللغة الفرنسية- الحاكمة بالأمس- لم يكن لها حتى في عهد الحماية ما لها اليوم من النفوذ والسيادة وسعة الانتشار والمكان الرفيع.
قد يكون في هذا القول شيء من المبالغة، ولكن المواطنين مع ذلك يرددونه في أسمارهم وأحاديثهم، ويشكون منه مر الشكوى، ويتألمون بسببه أعمق الآلام وأشدها، ومن حق المواطنين علينا أن نترجم إحساساتهم ومشاعرهم إلى كلام مكتوب حتى يتمكن المسؤولون من قراءته والإطلاع عليه، ومن حق المسؤولين علينا أيضا أن ننقل إليهم كلام المواطنين ليكونوا على بينة من أمرهم، وليكونوا على علم بما يطلب منهم مواطنوهم الذين سلموهم قيادتهم، ليسيروا بهم في طريق التحرر بجميع أشكاله وألوانه ومظاهره. ولا جدال في أن من أهم مظاهر التحرر، التحرر الفكري واللغوي، وهما شيء واحد، أو كالشيء الواحد تماما، كما قد يأتي شرح ذلك بعد حين.
نعم، لقد كان الاستعمار الفرنسي منسجما مع نفسه وطبيعته عندما استهدف من أول يوم من تاريخه في المغرب، أن يقضي على لغته القومية - دأبه في كل مكان حل به ركابه المشؤوم - وأن يحل محل لغته هو؛ ذلك لأنه يعلم حق العلم، أن سيادة اللغة سيادة لأهلها، وأن استمرار سيادة اللغة القومية في البلاد المستعمرة لا يمكن أن يفسر إلا بمعنى واحد، وهو أن المستعمر لم يبلغ فيها شيئا مما يريده من فرض سيطرته الكاملة على الأرض والألسنة والعقول والقلوب.
لقد احتلت فرنسا أرض المغرب بقوة الحديد والنار، ثم رأت أن ذلك وحده لا يكفي، وأنه لابد من تعزيزه باحتلال عقول السكان وألسنتهم، وتلك مهمة لا موجب في تنفيذها لحشد الجيوش، واستعمال السلاح، وإنما يكفي في إنجاحه برنامج مدرسي محكم، ومدرسي فرنسي، يجهل كل شيء عن البلاد التي انتدب للتدريس فيها، ويعرف كل شيء عن عظمة فرنسا وتاريخها وحضارتها وأمجادها وآدابها، ويملأه الغرور والتعصب القومي والوطنية الضيقة العمياء.
وكان الاستعمار الفرنسي منسجما مع نفسه وطبيعته أكثر من ذلك، عندما رأى ألا يخلي برنامجه المدرسي نهائيا من حصة للغة العربية، ينتدب للقيام بها في كل مدرسة شيخا من شيوخ الكتاتيب القديمة يتمثل فيه الجهل والتأخر والقسوة والغلطة. وعلى التلاميذ الصغار بعد ذلك أن يقوموا وحدهم، وبدون تدخل خارجي، بتنفيذ الباقي من الخطة