فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 ص 47
بقلم: المهدي الرجالي
لقد وقر في أذهان الكثيرين أن الأساسات الأولى التي تنبثق عنها معطيات الفكر الديمقراطي والتقدمي الحديث، تؤول في بعض أصولها الأولى إلى مآت فكرية فرنسية خالصة.
وقد أضحت هذه الحقيقة بما توافر لها من عوامل التمركز والرسوخ، أصلا أساسيا تقوم عليه كثير من المسلمات التاريخية والأدبية، وليس هذا في الواقع مما يمكن أن يستثير كثيرا من الاستغراب، فقد ارتبطت ذكريات الثورة الفرنسية في أذهان الناس ـ ولا يعنينا أكان ذلك خطأ أو صوابا ـ بتطور المفاهيم الديموقراطية وتجوهر الأفكار التقدمية التي تضبط كثيرا من الأوضاع في المجتمعات الغربية الحديثة، واستطاع الكتاب الفرنسيون ورواد الفكر الفرنسي أن يعززوا جانب هذه الارتباطات بما أوتوه دلائل التحرر العقلي الذي كان تأثير بعيد الغور في نشوء كثير من الأوضاع الاجتماعية والأدبية الراهنة.
ورغم الحملة النابليونية على وادي النيل والامتدادات التوسعية التي حققتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة على حساب آسيا وإفريقيا، فإن الكثير من مشاهد القسوة والعنف التي رافقت هذه التحركات الامتدادية البعيدة المدى لم يستطع أن تمحو من الأذهان تلك الارتباطات العقلية التي تصل ماضي فرنسا بثورة 1789.
وقد كان للانتفاضات التحررية الفكرية وتمركز التكتلات ذات الصبغة التقدمية على ضفاف السين تأثير بليغ في ضمان استمرار هذه الثقة الغالية التي يوليها الرأي العام المثقف في أرجاء العالم للاتجاهات الفرنسية التقدمية بما لها من أشكال نزوعية تحريرية وألوان مذهبية متنوعة.
على أن كل هذا لم له ليستمر طويلا فقد كان من الطبيعي أن تواجه الفكرة التحررية في بلاد (( روسو ) )حقيقة الواقع التوسعي الفرنسي وتصطدم بالمعضلات الدقيقة التي يتمخض عنها وجوده، وهذا ما تم في واقع الحال ولفترات متفاوتة في المدى والأهمية.
وغداة أن نجح إتحاد اليسار سنة 1936 في تأليف حكومة الجبهة الشعبية في باريس، كان ذلك من أقسى التجارب التي أمكن الملاحظون أن يبلوا بها الحقيقة المبدئية والاتجاهية التي تقوم عليها الحركات التقدمية الفرنسية في جانب من أهم جوانبها، وكانت حوادث القمع بالمغرب ومشاهد الكبت في تونس مما وعاه جيدا تاريخ الحركات الاستقلالية في القطرين، وتم كل ذلك في النصف الأول من القرن العشرين.
ثم تلاحقت مواكب الزمن واستطل العالم على الشطر الثاني من القرن، فلم يكن للظروف السياسية والفكرية التي تتميز بها هذه الحقبة الجديدة من الدهر إلا أن تهيئ للتقدمية الفرنسية مفاجأة أقسى وابتلاء أخطر: كان ذلك اليوم اندلعت جذوة الانتفاضة الوطنية في الجزائر (( فاتح نونبر 1954 ) ).
والثورة على الأنظمة التسلطية ليست ـ في موطن الأمير عبد القادر ـ حدثا جديدا يتميز به تاريخ المغرب الأوسط الحديث، إن سنة 1830 لم تكن إلا نقطة انطلاق لسلسلة الملاحم المثيرة بين أبطال القومية الجزائرية: عبد القادر، أبي عمامة، المقراني، ابن حمزة، وبين الجهاز العسكري والمدني للنظام التسلطي في الجزائر، ولكن هذا الدور الجديد من الصراع يتميز بظاهرتين بارزتين:
1)حسن تنظيم الثورة وتكامل استعدادها ودقة تكتيكها ووضوح أهدافها ومراميها.