فهرس الكتاب

الصفحة 1809 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ص 69

من وحي الجهاد الجزائري: الجزائر قلب وأجفان

بقلم محمد العربي الخطابي

«الأم التي تتحمل، بصبر وشجاعة، فراق وحيدها الذاهب على المعركة تلبية لداعي الشرف، مجاهدة صامتة قلما تتغنى ببطولتها الأشعار أو تتحدث عنها الكتب التاريخ. إن هذه الأم رمز الفداء الصادق والبذل الكريم» .

-هذه شبابيتي، يا أمي، احفظيها حتى أعود، فلم يبق بنفسي نغم يمكن أن يجري في جوفها.

وتلك الفأس والمنجل والمذراة فتعهديها حتى لا تصدأ ولا تتآكل، وحتى يرتفع عقم التربة وتخصب من جديد.

وهذا المصحف الذي كان أبي يتلو فيه آيات بينات من كلام الله. اجعلي منه لك أنيسا وسترا.

إني ذاهب إلى الجبل، يا أمي، فتجلدي!

-ويحك يا بني! لمن تترك أمك العجوز؟

-أتركها لجزائر الحبيبة عروسا من عرائس الفداء والبذل، كالمهلات الصبورات الأخريات اللاتي بعثن إلى الجبل أبناءهن.

-وماذا في الجبل، يا بني، يغري الفتيان بمفارقة أمهاتهم، والرجال يترك أزواجهم؟

-في الجبل، يا أماه، منطلق البطولة والجهاد، ومعقل الشرف، ومشغل الأمل يتراءى من خلال نوره غد الجزائر المشرق.

في الجبل كهوف القرابين والضحايا التي تقدم فداء للوطن الحبيب.

وأنت، يا أمي، كهذا الجبل الكريم تتمثل فيك، إن صبرت، كل المعاني السامية النبيلة التي عدتها.

-ولكني، يا ولدي، امرأة من قلب وأجفان؛ فإني لي بالصبر على مفارقة وحيدي، والزج به في مفازات ذلك الجبل الرهيب، جبل البطولة والتضحيات؟

-كل الجزائر، يا أماه، قلب وأجفان.

قلب موضع بعطر الأمل والحياة، وأجفان مبللة بدمع الظفر وقرب الخلاص ...

الجزائر كلها تبكي، يا أماه، وفي دمعها يترقرق نور الغد الناعم، وصحوة المستقبل الخصيب.

قلبي النظر في هذه المروج والحقول ومسارح الدواب هل ترينها إلا واجمة شاخصة تترقب النداء البعيد، نداء العتق والانطلاق.

وتلك الغدران والسواقي التي تأبى أن تكني برداء الشمس الموشى النضير، أنها تتطلع بدورها إلى اليوم الموعود.

ومن غير فتيان الجزائر يطلق النداء المترقب فيدوي في الجبال والوديان والقنوات، ويرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت