فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.5، ع3 /يوليوز 1967 ص19
أبحاث ومقالات: وجهة التاريخ
للأستاذ: محمد زنيبر
منذ دخل النوع البشري إلى التاريخ، وهو ينتقل من طور على طور ويتدرج في سلم الرقي والتقدم، ويضيف كل يوم مكاسب جديدة إلى مكاسبه القديمة، بحيث كان في الأول لا يختلف عن الحيوان في شيء يقتات مثله باللحوم النيئة والأعشاب، ويسكن مثله في الكهوف والمغارات، وصار في الأخير يستمتع بعيشة لا صلة بينها وعيشته الأولى، إذ كل شيء فيها دخلت عليه أفانين الصنعة، وتكيف حسب ما يقتضيه هواه ويوافق راحته ورفاهيته وحاجته، بينما الحيوان ظل كما كان أول يوم في كل مظاهر حياته.
هذه القابلية للتغير والانتقال من حال إلى حال التي توجد عند الإنسان هي التي صنعت التاريخ، وهي التي مكنت البشرية من أن تسيطر شيئا فشيئا على الطليعة، وهي التي نسميها تارة الذكاء الإنساني وطورا العبقرية الإنسانية.
ولكن هل هي مجرد قابلية فقط أم هي أكثر وأعمق من ذلك؟ فنحن عندما نستعمل كلمة قابلية نفهمها بمعنى استعداد يوجد عند الإنسان بتصرف فيه بكامل الحرية، يستغله متى شاء ويبطل مفعوله عند الاستغناء، وعلى هذا، فسؤالنا معناه: هل التطور أمر خاضع للإرادة الإنسانية تديره كما تشاء؟ أم هناك عامل أو عوامل تحتم على الإنسان أن يسير في طريق معينة؟.
وبعبارة أخرى، هل للتاريخ وجهة يقصد إليها حتما أو التاريخ عبارة عن نسيج من الأحداث الاتفاقية ليس لها أي مدلول؟
ذلك أهم سؤال يعترضنا في دراسة التطور البشري، وحسب ما نقدم من جواب عليه، ينكون أخذنا اتجاها معينا ومنطقا خاصا في فهم التاريخ.
حرية الإنسان والتاريخ:
فإذا أخذنا بمذهب القائلين بان الإنسان يتمتع بحرية كاملة في تكوين تاريخه وتسييره، أصبحنا نرى العالم وما يجري فيه من أحداث على صورة خاصة واستخلصنا من ذلك نتائج أهمها:
1 -إن كل المذاهب القائلة بحتمية التطور باطلة من أساسها، ما دام أمام الإنسان حرية الاختيار وحرية العمل.
2 -إن الفرد هو العنصر العامل في التاريخ وان دور الشعوب يبقى ثانويا بالنسبة للرجال الموهوبين الأفذاذ الذين يصنعون التاريخ، ذلك أن الحرية بمعناها العميق الواسع لا يمكن أن توجد إلا بالنسبة للأفراد، أما بالنسبة للجماعة فان الحرية مقيدة بالقوانين الاجتماعية، ثم أن الإرادة الجماعية تتكون في الواقع من تشارك الإرادات الفردية واتفاقها على بعض الأهداف، كما بين ذلك «روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي» والحرية لا يمكن أن تقرن مع تعدد الإرادات، ولكنها صفة للإرادة الواحدة، ينبني على ذلك انه إذا ما ثبتت نظرية الحرية في توجيه التاريخ، فان الفرد هو الذي يمكنه أن يتصرف في تلك الحرية، لان الفرد هو وعاء الإرادة الواحدة.
3 -انه لا يوجد خارج إرادة الإنسان أي عامل يؤثر بصورة فعالة على سير الأحداث التاريخية وتوجيهها، لان وجود مثل هذا العامل من شانه أن يتنافى مع حرية الاختيار لدى الإنسان التي يقول بها أصحاب هذا المذهب، فالظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليس لها من اثر في التطور إلا بقدر ما تتلاءم وإرادة الفرد العامل في التاريخ، بل أن في مستطاع الإنسان أن يقاوم مفعول هذه المؤثرات الخارجية ويعمل باستقلال عنها.