فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 5287

دعوة الحق، س2، ع1 /شتمبر 1958 ص 58

اقيم بالرباط من 20 غشت الماضي إلى 31 منه معرض فتي الرسام المصري الشهير، الأستاذ محمد صبري، وكانت حفلة الافتتاح رائعة حقا، حضرها عدد كبير من الشخصيات الرسمية ومن السلك الدبلوماسي، كما حضرها كثير من رجال الفكر والفن وغيرهم من مختلف الأوساط وطبقات.

والأستاذ محمد صبري، خلق ليكون فنانا، ولو لم يكن رساما لكان شاعرا أو موسيقيا أو غير ذلك، ذلك لأنه فنان بطبعته، وكلامه الرقيق المهموس.

وهو ككل فنان أصيل يخجل من سماع كلمات الثناء والتقدير، وينفعل لها إلى حد الارتباك و والاضطراب.

وأعظم ما يعجبك في هذا الفنان نفوذه إلى الأعماق، واجتيازه الهيكل المادي للمناظر التي يرسمها لينفد إلى

أغوارها، وليخلق لها شعورا، والتجاوب معها في عطف وإحساس نبيل.

زار المغرب حتى الآن مرتين، وكانت الأولى في أوائل سنة 1956 حيث قام معرضا بتطوان، وكانت التانية في غشت 1958 حيث قام بجولة قصيرة خاطفة في بعض ربوع المغرب، زار فيها فاس ومكناس ومراكش ورسم في كل منها عدة لوحات، عرضت إلى جانب لوحاته الأخرى في المعرض الذي الذي أقيم بالرباط.

وكانت الجولة الخاطفة أقصر _ في الزمن _ من أن تتسع لاستيعاب الروح الخاصة لكل مدينة من المدن التي زارها الفنان المصري، ولكنه عرف كيف (يعمق) جولته الخاطفة، وكيف يحملها على أن تتسع له للنفوذ إلى الروح التي تمكن وراء المناظر المختلفة، سواء كانت مناظر طبيعية، أو أسواقا، أو شوارع، أو مآذن شاهقة، أو جبالا، أو غير ذلك، لقد عرف _ في مدة قصيرة جدا _ كيف يحملها على الاستجابة لشعور (( المحبة ) )الذي أحس به نحوها، وقد كانت كريمة هي الأخرى، فاستجابت له في سهولة ويسر ولا مزيد عليهما.

ولست أدرة لماذا يبدو من لوحات الفنان محمد صبري التي أخدها في المغرب وشوارعه ومبانيه، بقدر ما يتراءى له من الغموض والكثافة والتحفظ (( الشخصية المغربية ) )التي تتكرر بنفس المظهر في كل لوحاته!! اهو البرقع الكثيف الذي يغطي وجوه النساء، والجلباب السابغ الذي يختفي وراءه الرجال؟؟ قد تكون ذلك هو مبعث هذه (( الكثافة ) )وقد يكون شيئا آخر، وهو إن المغربي (( المحايد ) )فلا يفتح لك قبله كله، ولا يوصده في وجهك إيصادا، وإنما هو ينتظر أن يعرفك على حقيقتك، قبل أن يصرح لك بحقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت