فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 ص53
للأستاذ: عبدالعلي الوزاني
ان الفرق الجوهري بين الكاتب الناشئ، والكاتب الناضج، هو أن الأول لا يعرف على وجه التحديد محورا لنشاطه الادبي، ولا هدفا يسعى اليه ويجند له كل امكانيته الأدبية، في حين أن الثاني قد وضحت عنده الغاية واستبان الهدف، وهذا التباين بينهما يؤثر في خطواتهما وأسلوب سيرهما، فبينما ترى الأول يقع في كثير من التناقض والاضطراب والضياع بين مختلف السبل، اذا بك تجد الثاني راسخ القدم متزن الخطا، يتقدم في الميدان في عزم وصمود، ذلك لأن من عرف الغاية عرف الطريق، ومن لم يعرفها توزعته السبل، واكتنفته الحيرة، واحاطته ظلمات بعضها فوق بعض.
وبناء على ذلك فالأديب لا يواجهه هذا السؤال: لماذا نكتب؟ الا بعد أن يكون قد قطع مراحل واشواطا ضائعا عن نفسه، ليس له موضع خاص يقف عليه في محيطه، ولا يعرف مسوغا لوجوده في الميدان الأدبي، ولم تتحدد بعد رسالته التي خلق من أجلها، فالتساؤل والقلق الفكري، والنظر التأملي، والتوري من الجانب الفلسفي للأدب، كل ذلك يأتي بعد نضال طويل، المتخلص من قيود الجمود، ـ والانعتاق من ربقة التقليد، والاهتداء الى الذات، فعندما يصل الاديب الى درجةمن التفكير تؤهله لمعرفة ما خلق له، مما يتفق مع مواهبه، ونوع استعداده، ولون ثقافته، فحينئد يقف ليتساءل تساؤلات من هذا النوع: لماذا أكتب؟ فوقوف تفكير الأديب عند نقط استفهام كثيرة من هذا النوع، وشكه، وقلقه، ومحاولته تعليل كل ما يصدر عنه، ان هو الا دليل خصب فكري، وتفتح ذهني، واجتياز لمرحلة التصديق، وسهولة الانقياد.
وحري بالأديب أن يعرف لماذا يكتب، فالكتابة صورة من صور العيش، ونمط من أنماط السلوك، وطريقة من طرائف الحياة، وليست مجرد جمل تصاغ، أو تسلية تزجي بها أوقات الفراغ، فهي لا تنصرف الى هذا المعنى البسيط الا عند اللاهين، العابثين، البعيدين عن الأدب كرسالة انسانية واجتماعية وقومية، اما عند الجادين من الادباء، فهي تعني هوى نقيا ينعش الرئتين، ودما متجددا يحفظ الحياة، وقاعدة تصحح على ضوئها حياة الانسان، حري بالأديب الحق أن يعرف لماذا يكتب، ليعرف لأي غاية يعيش، ولأي هدف يحيى، فالأديب طاقة روحية زاخرة، وفكر متوقد لماع، وموهبة مبدعة، خلاقة، وخيال سامي مجنح، ولذلك فهولا يجيئ الى الحياة ويخرج منها كما يجيء اليها ويخرج منها ملايين البشر، إذ أن شعوره بالحياة أدق، وفهمه لها أعمق، وادراكه لأسرارهاومغازيها شامل، وهو اذا مات يعيش، ليمتاز عن ملايين البشر مرة أخرى، أولئك الذين يخلقون ويعيشون ثم يموتون و لايعرفون لماذا، وانه لجميل جدا ان ترقى هموم الانسان الى هذا المستوى الرفيع مستوى التساؤل عن مغزى وجوده، فهؤلاء هم رسل الانسانية، وحماتها الروحيون.
هناك فريق من الأدباء، لا يرون معنى لتساؤل من هذا النوع، فعندهم ان الادب يصدر عن الاديب، كما يصدر الشعاع عن النجم، والاريج عن الزهر،