فهرس الكتاب

الصفحة 4294 من 5287

في الشرق الأقصى أو في شرقي أوربا أوحتى في بعض الاقطار الأمريكية الصغيرة، وليس يعنينا بالذات استقصاء مظاهر السلبية والايجابية في واقع الثورات بهذه الاقطار، ومدى ما تعبر عنه في هذا المجال من مبادئ وقيم، مما تنطوي عليه من نتائج وحقائق الا أن الذي يهم أساسا هو ملاحظة الظاهرة المتواترة في هذه الحالات الثورية المختلفة، اذ أن الكثير منها لم يفتأ يتطور في ظلال التهافت على كل ما تحويه الايديولوجيات الاجتماعية المعروضة، بما في ذلك التظاهر بمناوأة العقائديات الدينية وتنظيم التناحر الاجتماعي الطبقي على نطاق واسع جدا.

وفي اطار هذا الاعتبار يمكننا أن ندرك قيمة الايجابية المنهجية التي تتم بها حالات التطور الاجتماعي في ظلال الثورية العربية الراهنة، اذ أن المنهجية -وان كانت تتفق أحيانا مع بعض المبادئ والمعطيات المسلمة على نطاق عالمي واسع -الا أنها- -الى ذلك- قد استطاعت أن تتخلص من بعض المركبات التي سيطرت على حالات التطور عند آخرين، وتنأى بذلك عن كثير من المفاهيم غير الملائمة التي يحتضنها هؤلاء أو أولئك، ولهذا كله فقد استطاع العالم العربي أن يكون دائما مجالا مستعصيا على بوادر التسلسل الدولي الواسع وأن يكون بمنجاة عن التعرض لآثار الحرب الباردة بشكلها (الساخن) المترائي في بعض الأقطار المعينةبجنوب شرقي آسيا، وكل ذلك على الرغم من وجوده في منطقة حساسة، ومجاورة لقطاعات الاحتكاك الدولي على نطاق شاسع جدا، وقد يكون هناك ما يدلي به لتعليل وضعية العالم العربي من هذه الناحية وتحديد طبيعة العوامل الكثيرة التي تساهم في اقرار احواله على هذا الأساس، غير انه من العسير -على كل حال- انكار قيمة العامل الفكري بهذا الصدد، والدور الذي يساهم به في ملء الفراغات الكثيرة التي يراد اصطناعها في بعض الأحيان، واتخاذها سندا للتسلل والتدخل، وقد استطاعت كثير من الأقطار الأخرى - الموجودة في نفس وضعية العالم العربي من الناحية الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسانية - استطاعت هذه الأقطار ان تستبقي لنفسها قدرا من الحصانة النسبية أمام بوادر التسلل الخارجي في اشكاله المختلفة الا أن ذلك كان في بعض الحالات- على اساس انضمامها الى تكتل دولي معين مضاد للتكتل الآخر، واضطرارها بذلك الى الانحياز على نحو قد يكون هناك أحيانا ما يجوزه، وقد لا يوجد له أحيانا أخرى أي تسويغ أو تبرير.

ان سبيل الثورية العربية اذن هو سبيل تطوري ايجابي مستقل، وذلك هو مدلول هذه المميزات والخصائص التي لا تنفرد بها وحدها على شكل استثنائي خاص الا أنها -مع ذلك-ترتبط بهذه الميزات والخصائص التي لا تنفرد بها وحدها على شكل استثنائي خاص الا انها -مع ذلك- ترتبط بهذه الميزات ارتباطا عميقا يميزها عن كثير من الحالات الثورية الأخرى في عالمنا الحاضر، ويتيح لها فرصة التبلور في اطار اكثر مناعة وايجابية واتساعا.

على اننا اذا ما خلصنا الى تكوين نظرة عامة حول الواقع الثوري العربي الراهن، والآفاق التي يعكسها في مختلف الاتجاهات فانه لا بد ان نلحظ في هذا الواقع ايضا بعض الجوانب السلبية التي لا يعسر استشفافها على وجه العموم، لأنها من الوضوح والبروز بدرجة كبيرة جدا، ومن بين هذه الجوانب:

من الناحية العامة: عدم التناسق في الواقع التطوري العربي، واختلاف الاوضاع في الأقطار العربية اختلافا كبيرا وعميقا سواء من حيث الوسائل المستخدمة أو باعتبار الاتجاهات المسلوكة.

من الناحية الاستعدادية: محدودية الموارد المادية التي تتوافر لانجاز مقتضيات هذا التطور، وتحقيق أغراضه ومقاصده.

من الناحية المذهبية: قصور ملحوظ في القدرة على الملاءمة بين الأهداف العربية الخاصة من جهة وبين الأهداف العربية مندمجة في إطار العالم السلامي من جهة ثانية.

وهناك -بالطبع- كثير من الجوانب المماثلة الأخرى مما لا يتسع لتبسيطه المجال، والاتجاه الى معالجة هذه الجوانب هو من أبرز عوامل الحركية الدائبة في واقع الثورية العربية كما تتراءى في الوقت الراهن، وليس من شك في أنه على أساس النجاح في معالجة مثل هذه المشاكل وغيرها تتوقف حظوظ هذ الثورية وامكانتها في تحقيق شروط تطور عربي اسلامي ذي أسس ايجابية واصيلة وشاملة.

سلا: المهدي البرجالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت