فهرس الكتاب

الصفحة 4293 من 5287

نحو يختلف في مدى عمقه وقوته، وقد كان للعامل الديني السليم، وبكل ما ينطوي عليه من مضامين تطورية خلاقة كان لهذا العامل قدر من التأثير له أهمية بالغة في هذا المجال، والأمر في ذلك لا يختص بالعرب وحدهم، بل انه يعم مختلف الجماعات الاسلامية التي استطاعت أن تستمد من رصيدها الروحي الديني قوة استنهاضية وتطورية سارت بها بعيدا في مضمار التحرر العام، وهناك سبيل لتكوين بعض الملاحظات في هذا الموضوع نعرض اليها كما يلي:

1)نشات كثير من الحركات الانبعاثية العربية في ظلال الدعوة الاصلاحية الاسلامية وعلى اساس الترويح لمبادئ النهوض الديني في اشكاله الأصلية المجردة.

2)كان لروح الحماس الاسلامي -باشكال مختلفة- تأثير مهم في اذكاء الروح التحررية الانبعاثية عند الكثير من الجماهير العربية، اذ أن هذه الجماهير لم تكن كلها في الواقع على استعداد لاستيعاب كل ما تحويه الايديولوجيات الوضعية من عناصر فكرية مختلفة، ولذا فقد كان من الجائز -في جميع الاحوال- اعتماد الجانب الروحي عند هذه الجماهير، والاستمداد منه استمدادا مستمرا ليس لمعينه من نضوب. ولا يختص هذا بالمراحل النضالية السلبية من حركات التحرر العربي الحديث، بل انه من المعقول دائما الاستناد اليه كثيرا في المراحل المستقبلية من تطورات النضال الايجابي البناء سواء عند الشعوب العربية أو عند غيرها من الأمم الاسلامية المختلفة، خاصة وان العقائدية الاسلامية ترتكز في اساسها على قواعد تطورية وتحريرية عمؤقة تتجاوز في عمقها كل مقاييس التقدير والتخمين.

3)وقد يكون هناك مجال للقول بأن هذه الظواهر التي عرضنا لها ليست كلها -في الواقع- الا ظواهر مرحلية عابرة، لأن بعضها لا يتصل الا بفترات معينة من مراحل النهوض العربي الحديث، كما أن بعضها الآخر قد لا يبدو ذا تأثير عام وثابت يصح الاستناد اليه في تركيزقاعدة حاسمة قوية المضمون والمدلول، انه ليس من الضروري مناقشة اعتراض من هذا النوع -وضمن المجال المتوافر الآن- الا أنه من الممكن- في أي حال - ملاحظة الواقع الثوري العربي في طوره الراهن، ومدى"الفارق الروحي"الموجود بينه وبين كثير من التطورات الثورية في نواح أخرى من العالم، فقد أفضت نتائج بعض الثورات في أقطار عديدة الى احداث انقلابات شاملة في افق التوازن الروحي عند شعوبها، وأولي الرأي فيها، وسجلت بعض الحالات -في هذا المضمار- مظاهر روح مناوئة لاي مفهوم يرتبط بما وراء المادة والمثاليات المنبثقة عن ذلك سواء في مناحيها التصورية أو العقائدية، ومن اليسير جدا ادراك مدى تطور حالات الانفصام -في هذا الصدد- بين الواقع الفكري والشعور الروحي عند كثير من المجتمعات الثورية على اختلاف أوضاعها واتجاهاتها العامة، أما الواقع متعدد الاشكال ذلك الذي افضت اليه الثورية العربية الحالية- ولو أنه لا يزال في طريق التكامل والتبلور فهذا الواقع لا يعكس دائما حالات متشابهة تماما لما حدث عند الآخرين، بل إنه يمكن لنا أن نخلط بالفعل كثيرا من العناصر الدالة على مزيد الارتباط نوعا ما -بين المقومات الروحية والمادية عند هذا الشعب العربي الاسلامي أو ذاك، وذلك على شكل تختلف درجاته وأهميته اختلافا كبيرا، وقد يكون العامل الروحي عند كثير من هذه الشعوب عاملا سطحيا مهلهلا تلفه أحيانا أردية من الميثلوجية المغرقة في الغرابة والشذوذ الا أن المهم في الأمر هو عدم وجود تفاعل جذري بين الثورية العربية وردة الفعل المادية العنيفة في العالم واستمرار هذه الثورية بذلك في حالة اتصال مع موارد روحية أساسية كانت قوام انبعاثها ونموها فيما مضى وينتظر ان تصبح قاعدة ارتكاز لشخصيتها المفردة المتميزة في محيط المستقبل. اما الجوانب الميثولوجية السلبية في اساس هذه الروحية العربية بشكلها الحاضر والتي يرفضها الاسلام نفسه فان مصيرها مرتبط بمدى الاتجاه نحو سبيل الاصلاح الفكري والعقائدي العام الذي كان من أسس الانبعاث العربي الحديث، الذي لا بد أن يصل الى مداه النهائي على أي صورة من الصور.

وهناك -بعد كل ذلك- ملاحظة ثالثة لها أهميتها في الموضوع، ونستطيع أن نقدر مدلولها باعتباره ميزة أخرى من بين المميزات الأساسية التي تتوافر للظاهرة الثورية العربية الحديثة، والميزة هذه هي -في الواقع- نتيجة حتمية لتوافر الميزات الأساسية السابقة، ولا تبدو هذه الميزة جلية واضحة الا بالمقارنة بين معطيات ومصادر التطور العربي من جهة والسبل التي سلكها سير التطور عند بعض الشعوب الأخرى، في أوربا وآسيا بصورة أخص، ويتبين لنا ذلك اذا ما لا حظنا طبيعة الاتجاه الذي احتضنته الحركات الثورية الاجتماعية والسياسية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت