فهرس الكتاب

الصفحة 4292 من 5287

في جوهرها مجرد امتداد بسيط لهذه الظواهر الثورية الأخرى في مختلف انحاء العالم- وان كانت تعكس -كما قدمنا- حالات من التفاعل والتمادي مع هذه الظواهر، وبدرجات مختلفة نوعاما، والاساس الذي يقوم عليه هذا التقدير هو ناشئ عن ملاحظة بعض الحقائق التاريخية التي ترتبط بالواقع الثوري العربي منذ قديم وتعطي بعض دلالاته البارزة، فالثورية العربية الحاضرة على هذا الاساس - لا تندمج بجميع مراحل نشوءها وتطورها في ظواهر التطور العالمي المعاصر وباستمداد منه على نحو بسيط ومباشر، أنها تعود -في الواقع - الى آفاق زمنية وتطورية أعمق من ذلك بكثير، وارتباطها بهذه الافاق يجعلها احيانا مجرد امتداد غير مباشر لروح الانبعاث التي سادت الامة العربية قبل الاسلام منذ قرون، والتي مكنت العرب - ممتزجين بالامم الاسلامية المختلفة من دفع المد الثوري خطوات أخرى الى الامام سواء في نطاق الحضارة المادية، أو في مجال القيم والمثل الفكرية و الاخلاقية، وهناك -بحق -حلقة فراغ كبرى تفصل بين مراحل اليقظة العربية الاسلامية في أشكالها السابقة، وبينها الآن في شكلها الحاضر، الا ان وجود هذا الفراغ لايمكن ان يعني مطلقا تحلل الامكانيات الانبعاثية القديمة عند العرب، وانفصالها بصورة مطلقة عن اصول البعث العربي الحديث، ذلك ان هذا البعث وان كان يرتبط ببعض تيارات التطور الفكري العالمي المعاصر، الا أن هذه التيارات لم تؤد- في الواقع- الى خلقه واصطناع وجوده بصورة أساسية لان أصوله ونوازعه لم تنعدم مطلقا في أي وقت، بل انها كانت كامنة فقط قبل ان تتفاعل تفاعلا ايجابيا مع حقائق العالم الحديت، ويبدوا في بعض الحالات ان موجات التطرف القومي الضيق التي سادت اوربا في العصور الحديثة، من الجائز ان تكون قد اسهمت في التأثير على واقع اليقظة العربية الحديثة ولا يستوعب جميع دلالات، فهذه اليقظة تتجه -بالفعل- الى ان تصبح اساسا لتطوره فكري راديكالي يمكن العرب والمسلمين من ربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم، والاسهام بذلك في اقامة قواعد مثالية جديدة وتكوين اسس سليمة للتعايش الانساني في اطار الحب والعقيدة والسلام، ولهذا فان الحركة العربية -بهذا الاعتبار- لم يكن لها ان تقتفي كل ينابيع التطور الفكري الاروبي بهذا الصد لانها ليست -كلها- نتاجا حقيقيا لمؤثراتها الفكر، وانما هي في شكل من الاشكال-وكما قدمنا من قبل - امتدادا لواقع فكري عاش قبل ذلك احقابا وقرونا -ولو انه مر بفترات جمود وتعطل مد يده قبل ان يستعيد الآن قدرته وفاعليته وطاقته، وليس من شك في أن البت حول هذا الموضوع بصورة دقيقة وحاسمة -ليس امرا بسيطا في حد ذاته، ومن شأنه أن يستغرق مجالات واسعة لا تتوافر الآن بالنظر لمحدودية الموضوع الأساسي الذي نستهدفه من هذا الحديث -الا انه من الممكن - مع كل ذلك ابداء بعض الملاحظات في هذا المقام، وذلك في نطاق التأكيد بان فترة الخمود التي عاشتها الشعوب العربية في مدى القرون الأخيرة كانت فقط مجرد حلقة سلبية من حلقات التطور الايجابي في حياة هذه الشعوب هذا التطور الذي ما فتى يمتد بمظاهره وآثاره عبر الأجيال والقرون، ومن بين هذه الملاحظات:

1)احتفاظ الثقافة العربية والفكر العربي -خلال هذه الفترة- وفي حدود معينة- بنفوذ واسع وجدير بالاعتبار.

2)احتفاظ الكيانات العربية -على الرغم من حركات الغزو الأوربي وغير ذلك- مقومات وجودها وأصالتها- بصورة أساسية.

3)بقاء الوجود العربي مستبقيا جميع عناصر فاعليته وحيويته وذلك في بعض المواطن العربية المعينة كالمغرب الأقصى -الى بداية العقد الثاني منن القرن الحاضر.

4)اطراد مراحل التطور في سير الحركة الثورية العربية، وتسجيلها بعض السوابق التاريخية النسبية في هذا المضمار، وان دراسة لتبلورات الوعي العربي المعاصر، ومظاهر ارتباطه الخلاق بأفكار الحياد الدولي الجديد، ودوره في نشوء الاستقلالية الثورية بافريقيا - إن دراسة من هذا النوع لا بد أن تفضي بالمرد إلى استنتاجات لها أهميتها في هذا المقام.

وهناك -إلى ما تقدم- جانب آخر من الجوانب التي تعكس عليها مميزات الثورية العربية الحالية، وهذا الجانب يتمثل في قيمة الملابسات الروحية التي ما فتئت تمتزج بها وتستمد منها على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت