فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص19

قصة: رسالة منتحر

للقصصي الروسي: كوبرين

ترجمة الأستاذ: عبد المجيد بن جلون

في الغرفة رقم (5) من فندق سيبيريا الوضيع، جلس الطالب يكتب رسالته الأخيرة إلى أحد أصدقائه، قبل أن يفرغ رصاص مسدسه في رأسه، وقبل أن يسمع نزلاء الفندق الطلقة التي ألقته على الأرض صريعا، وعندما فتحت رسالته قرئت على النحو التالي:

"قل لهم كل شيء عن هذه الرسالة التي لاشك في أنك سوف تصدق كل حرف من حروفها، وإذا كانوا لا يصدقونني فهذا شيء لا يهم، على أنني أضمنها كلمات بسيطة قريبة إلى فهمهم: هناك شيء غريب جدا هو أنني أجلس للكتابة وأنا أعلم أنني سوف أطلق الرصاص على نفسي بعد عشر دقائق، أو خمس عشرة، ولكن ذلك لا يرعبني مطلقا، أما حينما أثارني ذلك الكولونيل الهائل، وحينما ضرب برجله الأرض وهو يردد شتائمه فقد ضاع رشدي، ثم حينما كان يصيح بأن معارضتي لا فائدة منها، وأنني أجازف بأصدقائي، وأن (بيلوسوف) وكذلك (ندج) و (وسلوفتشك) قد اعترفوا، حينئذ اعترفت أنا أيضا."

لقد أرعبتني - أنا الذي لا أهاب الموت - صيحات ذلك الضابط ذي العقلية الضيقة والمهنة التقليدية، ومما زاد في اشمئزازي أنه لم يجرؤ على الصياح في وجه الآخرين، بل كان معهم لطيف المعشر، كأنه طبيب أسنان، بل لقد كان معهم من"الأحرار"ولكنه لمس في إرادة ضعيفة مستسلمة، وهو الأمر الذي تستطيع أن تلمسه في الناس لأول نظرة دون أن تكون في حاجة إلى أن تستعين على ذلك بكلامهم.

نعم، أعترف بأنني كنت مجنونا وخسيسا ومضحكا ومضايقا، ولكن لم يكن في استطاعتي أن أكون غير ذلك، ولو أعيد الأمر مرة أخرى لحدث نفس الشيء بالضبط كما حدث من قبل. وإذا كانت الفيران ترعب بعض كبار الضباط الذين يباهون في بعض الأحيان بقليل من الضعف، فإنني بكل أسف أخاف من هؤلاء الناس غلاظ الأكباد الذين يبدون في مظهر ثابت لا يتغير، والذين يؤمنون بأنفسهم ببلادة، ولا يعرفون التردد، إنني أهابهم أكثر مما أهاب الموت، وكم كان يضايقني أن أقف أمام رجال الشرطة العظام وحجاب بيتسبورج البشعين، والذين يضربون على الآلات الكاتبة في إدارات المجلات والصحف، ومسجلي الحسابات، ورجال المحطات المخبولين، وقد كان علي ذات مرة أن أثبت شهادة توقيعي في محطة من محطات الشرطة، فأرعبني مجرد النظر إلى المفتش السمين بشاربيه الأحمرين الكبيرين، كأنهما سعف النخل، وصدره العريض وعينيه الصغيرتين، فكان يقاطعني باستمرار ولا يسمع إلى ما أقول، ثم ينساني لعدة دقائق أو يزعم أنه لا يستطيع أن يفهم الكلمات الروسية البسيطة التي كنت أستعملها، لقد كان مجرد النظر إليه يرعبني بشكل يبعث على الاشمئزاز، حتى أصبحت ألاحظ نبرة حقيرة في صوتي.

ومن الملوم على ذلك؟ سأقول لك من الملوم! إنها (آن) فهي السبب الرئيسي في غمر معنوياتي بالخراب، والدنس، والجبن الخسيس، لقد أصبحت (آن) أرملة وهي ما تزال يافعة، ولقد فتحت عيني في منازل الآخرين على ابتسامات الاحتقار، وما رق من الشتائم التي لا تستحمل، وعلى التذلل، والكذب، والوجوه العابسة، وعلى العبارات التي كانت تأمرني بأن أحمل"نقطة صغيرة أو قطعة صغيرة أو فنجانا صغيرا من الشاي"...

لقد كان علي أن أقبل أيدي المحسنين إلي من الرجال والنساء وكانت أمي تزعم أنني لا أحب هذا الشيء اللذيذ أو ذاك، وتزعم أن لي معدة ضعيفة لأنها كانت تعرف أن أطفال المنزل يريدون ذلك الشيء اللذيذ، وكان الخدم يزجرونني خفية وينعتونني"بالأحدب"، فقد كان هناك ارتفاع في ظهري منذ الصغر وكانوا يدعون (آن) في حضوري"بالطفيلية"و"المتسولة"، وكانت أمي لأجل أن تضحك الناس، تضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت