فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 29

الأستاذ: عبد الكريم غلاب

قرأت منذ سنوات بحثا كان تحت عنوان (كيف استطاعت إنجلترا أن تحتفظ بالنظام الملكي) حلل فيه الكاتب استجابة الملكية في إنجلترا للتطور الفكري الِذي طرأ على عقليات الشعوب، وللتطور الاجتماعي والسياسي الذي دفع الشعب الإنجليزي إلى المطالبة بحقوقه، ومحاولة التخلص من نظام الحكم الفردي، إلى النظام الديمقراطي، حتى انتهى بالنظام الحالي الذي أصبح فيه الملك - أو الملكة - يملك ولا يحكم، نتيجة لاتفاق تام بين الملك والشعب، وبذلك استطاع الشعب أن يتطور في نظامه الديمقراطي الذي أصبح من أسلم النظم الديمقراطية في العصر الحديث، واستطاعت الملكية أن تحتفظ بمركزها كرمز لوحدة الشعب الإنجليزي والشعوب المرتبطة به، واستطاعت إنجلترا أن تتلافى الارتجاج الذي تعرضت له كثير من الأمم الأوربية نتيجة لتغيرات أوضاع الحكم ونظمه.

وقرأت منذ حين كتابا عن انهيار الملكية في مصر على يد فاروق، صور فيه الكاتب كيف أن فاروقا كان يسير في اتجاه معاكس لكل الرغائب التي كانت تختلج في صدور الشعب المصري، سواء من حيث تطور نظام الحكم نحو الديمقراطية الدستورية، أو من حيث الإصلاح الداخلي، أو من حيث السلوك الشخصي النظيف الطاهر، وقد أدى ذلك كله إلى أن أصبح فاروق في عزلة عن خط السير الذي يريد الشعب المصري أن يسير فيه، وبما أنه كان يملك ويحكم، ويريد أن يسيطر على كل مقدرات الشعب، فقد صعب عليه أن يجتاز الهوة التي حدثت بينه وبين شعبه، وتجرد من كل سلاح يحمي الممالك والملوك، فهوى سريعا سهلا وهوت معه الملكية في مصر.

مثالان من أمثلة التطور بنظام الملك، أدى بأحدهما إلى بقاء الملكية وتعزيزها، رغم أن ما كان يحيط بها من ممالك قد هوت فيها العروش كما تهوي أوراق الخريف، وأدى بأحدهما إلى انهيار الملكية، رغم عزتها وسلطانها، ورغم أن ما يحيط بها من ممالك كان من شأنه أن يعزز جانبها ويقوي سلطانها.

والمغرب يعيش اليوم فترة التطور والانقلاب في حياته السياسية الاجتماعية، وهو يشهد الثورة في أنظمته تقلب أسسها وتغذي جذورها بدافق من حيوية وصيب من إكسير التطور والاندفاع، والنظام الملكي عميق في حياته عمق الدين والقومية والوطنية، لأن العرش كان منذ كانت للمغرب حياة سياسية، وكان من صميم الوطن - وحتى الأدارسة كانوا مستوطنين، رغم أن المغرب يتساهل في معنى الوطنية حينما يتحد الدين والقومية - وكان الحفيظ على الدين والوطن والقومية، وكان المعبر الأمين عن إرادة الشعب، ولكل ذلك امتزج العرش بالشعب وأصبح جزءا من حياته، يجتازان المحنة معا كلما هبت عواطف المحن على المغرب، وينعمان بالعز كلما انتصرا على عوادي الزمن، واندفعا يخدمان الوطن والقومية، لا في حدود الوطن الضيقة فحسب، ولكن أيضا هناك في شمال الأندلس، وفي جنوب الوادي، وعلى حدود مصر، وفي كل بقعة استطاعا أن يبسطا عليها ظل السلام.

جاء محمد الخامس والمغرب يتمخض عن ثورته تلك التي ألمعنا إليها، فلم يقف بمعزل عن الميدان، ولم يستكن للإرادة المسيطرة إذ ذاك، التي كانت تريد أن تجعل من العرش متحفا، كما فعلت بالحكومة، ولكنه تزعم الحركة بنفسه، فدعا إلى الإصلاح وحض عليه، واتحدت آماله بآمل الشعب، وتوثقت عرى عمله بأعمال الشعب، فلم يختلفا في تفكير ولا اتجاه ولا عمل، حتى جهرا معا بالمطالبة بالاستقلال لتحقيق الإصلاح عن طريقه، وحتى عملا معا على تقويض دعائم الحماية والوقوف في وجه كل تشريع يزيد في المساس بسيادة الأمة، ووقف أخيرا العرش والشعب وقفة صريحة في وجه الحكم الأجنبي، فلم يعد أمامه إلا أن يرتطم بصخرة الوطنية ممثلة في العرش والشعب، وكانت الصدمة، وكان بعدها الانتصار. وعاد الملك إلى عرشه، لا ليقتعده وهو يرى بلاده مستقلة فحسب، ولكن ليقود دفة البناء في عهد الاستقلال كما قاد دفة الهدم لعهد الحماية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت