فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 28
منه قام جماعة من الشيوخ المخلصين والشبان النشط بإلقاء الوعظ والإرشاد في المساجد، حاذين حذو علماء المشرق السلفيين المتأثرين بأفكار ابن تيميه وابن القيم في المتقدمين، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في المتأخرين، وفي الوقت نفسه أخذ الكتبيون يستوردون الكتب والجرائد الإصلاحية كالفتح والمنار والشورى، كما قام الشبان بتمثيل الروايات الاجتماعية التي فيها تعريض بالدجالين، سيما رواية (طرتيف) لموليير التي منع تمثيلها بقرار عسكري، وما أن أحس جلالته بأن الناس تفطنوا إلى خطر الرهط على الإسلام والعروبة حتى رماهم بقاصمة الظهر فأصدر أمره بمنع عيساوة وحمادشة من مزاولة أعمالهم المزرية.
ثم توبعت المعركة ضد الطرقية والدجل الديني بلا هوادة.
وبانتشار العلم، وإفاقة العقول من غشيتها، جاء دور الكفاح السياسي، وقد كانت القوات الحية في البلاد تجمعت في كتلة العمل الوطني التي قدمت لجلالته (مطالب الشعب المغربي) ثم أصدرت للإفصاح عن وجهة نظرها مجلات وجرائد بتطوان وباريس، فكانت تجد من جلالته تشجيعا وتعضيدا، وأحس الوطنيون بضرورة الالتفاف حول رمز لا ينازع فيه منازع والائتمام بإمام لا يجادل في إقامته مجادل، فكان الرمز هو العرش العلوي، وكان الإمام هو محمد الخامس، ومن خلال هذا الشعور تولدت فكرة الاحتفال بذكرى تتويج جلالته الذي جرى في أول الأمر (خروجا على القانون) ، ثم اضطر الفرنسيون إلى الاعتراف به بقانون، فكان عيد العرش الذي وجدت فيه الأمة متنفسا للإعراب عما لا تستطيع الإعراب عنه في غيره، وأصبح هذا العيد سوق عكاظ آخر يتبارى فيه أدباء المغرب من كتاب وشعراء لإثارة الحمية الوطنية في النفوس والإشادة بمفاخر المغرب والتنويه بفضل جلالة ملكه، وعند ما استوثق أعزه الله من أن الشعور عم، وأن الأغراس التي غرسها وتعهدها لم يعد في إمكان العواصف والأعاصير أن تقتلعها أو تحرقها، عندما استوثق من ذلك خرج إلى الميدان السياسي جهرة وربط مصيره بمصير أمته، فكان دائما حجر عثرة في طريق المشاريع الفرنسية المضرة بها، وكان يستعمل حقه في العفو على المسجونين السياسيين كلما ألقى بهم الفرنسيون مئات وآلافا في المنافي والسجون، وكان يمد المنكوبين بالأموال، ويعين العاملين في الداخل والخارج بشتى العطايا والمنح، وما من حركة حركة إلا ولجلالته فيها قدم صدق وعليها يد بيضاء، ولما أعلنت الحرب العالمية رأى جلالته فيها بارقة أمل؛ فإن الحلفاء ملأوا الدنيا ضجيجا وصراخا زاعمين أنهم لا يخوضونها إلا لتحرير البشرية من الرق والاضطهاد، وعندما انكسروا سنة 1940 بقي جلالته وفيا لهم، ولم يقلب لهم ظهر المجن كما يفعل الانتهازيون، لأن الوفاء والحكمة والتبصر من أبرز صفاته، وتنفس الحلفاء الصعداء بانضمام أمريكا إليهم ونزولها إلى الميدان، وبدأ الزعماء الذين بقوا في المغرب خارج السجون يتهامسون، ويساءلون عماذا ينبغي أن تكون الخطوة التالية، وكادوا يجمعون على مشروع إصلاح جديد، وأرسلوا رسولهم إلى جلالة الملك يخبره الخبر.
حدثني السيد محمد الغزاوي مدير الأمن الوطني قال: ضرب لي جلالته للقاء موعدا، فذهبت إليه خفية والتقيت به في مرآب سيارات القصر، فبدأت أقص على جلالته نشاط الجماعة ومداولاتها، ورأي أكثريتها، وهو جالس أمامي على حجرة، حتى إذا انتهيت من حديثي فأجاني بالقول الفصل: هذا كله عبث ولغو، لا ينبغي أن نطلب إلا الاستقلال الكامل! فحررت عريضة المطالبة بالاستقلال، وتحزبت الأمة حول الفكرة.
ومرة أخرى فتح محمد الخامس ميدانا آخر يخوض فيه بالأمة معركة الاستقلال.
كان على الفرنسيين أن يفعلوا شيئا لمجازاة المغرب على موقفه الشريف من قضية الحلفاء ومساهمته في إحراز النصر على دول المحور في الحرب العالمية الثانية، فعندما أخذت المستعمرات القديمة تستقل الواحدة تلو الأخرى، أدركوا هم أن الأوان قد آن لإجراء إصلاحات بلدية وعدلية واجتماعية، وإدخال تحسين على تأليف المخزن، ولكن هذا الإدراك نفسه لم يكن يخلو من نيات سيئة تجعل فيه الخطر كل الخطر، ففي كل مرة عرضوا على محمد الخامس مشروعا من مشاريعهم كانوا يقحمون الجالية الفرنسية وكأنها عنصر من عناصر السكان الأصليين، فالمجالس البلدية ينبغي في نظرهم أن يتألف نصفها من نواب مغاربة، ونصفها الثاني من نواب فرنسيين، والهيأة النقابية كذلك، مع اشتراط الجنسية الفرنسية في المسيرين، والعدلية أهملت فيها مسطرة الإجراءات إهمالا شنيعا، ولم يعتن إلا بالجانب الذي يسلب جلالة الملك سيادته، أما المخزن فقد أريد منه أن يصبح مجلسا للوزراء والمدبرين، وطبيعي أن البلاد كانت ترفض هذه العروض الجزئية الخطيرة جملة وتفصيلا، ولا تريد بالاستقلال الكامل بديلا، وكان محمد الخامس مرآة صافية تنعكس عليها آمال شعبه وآلامه، ومع ذلك فقد أبى إلا أن يدرس هذه العروض ويستفيد مما قد يكون فيها من نفع للبلاد، وعند ما نظر فيها وجدهم يريدون اقتسام السيادة على البلاد معه، فردها على وجوههم وسافر إلى طنجة.
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 30
تابع للصفحة 28
وكانت قنبلة 8 أبريل 1947 وقنابل خطب أعياد العرش بعد، وكشفت البلاد عن ساق الجد وشمرت عن ساعد الاجتهاد، تخوض وراء ملكها معركة السيادة.
وكانت معركة حامية الوطيس، أدرك الطرفان أنها الحاسمة، فإما انتصار على الأبد وإما خذلان إلى الأبد.
وأبدى الملك براعة في القيادة ومهارة في الكر والفر، وتنقل بالخصوم من نجد إلى غور، وأخرج العراك من الزاوية المظلمة التي كان يجري فيها من قبل إلى ساحة الأمم المتحدة والمؤتمرات العالمية حيث أخذ يجري والناس من حول الطرفين شهود ... وحمي مرجل الغضب في نفوس الفرنسيين وقالوا لمحمد الخامس: استسلم فقال: لا ... فعادوا إلى القتال حتى أنهكهم التعب ثم صاحوا به: استسلم فقال: لا ... وهنا قرروا أن يجلبوا عليه بالخيل والرجل، ويجلوه عن الميدان.
وسدد علال بن عبد الله طعنات إلى الدمية الحقيرة واصلا بها حبل ما أرسل محمد الحنصالي على الأنذال من طلقات، وتململت مراكش ووجدة، وتحركت البيضاء والقنيطرة وفاس وجاءت جبال مرموشة والريف بخبر النصر الأخير ..
وانجلت المعركة عن الاستعمار ضجيعا فوق الرغام مضرجا بالدماء يلفظ الأنفاس التي لا يحيا بعدها أبدا، وعن محمد الخامس يعود على ٍرأس أمته مكللا بالغار، والشعوب الحرة تصفق له وتهتف.
إنه يعود لا ليستجم، وإنما يرجع من الجهاد الصغير جهاد الهدم، إلى الجهاد الكبير جهاد البناء.
حقا إنها قصة بطولة رائعة، وقيادة حكيمة ماهرة، تعنو لها وجوه قادة التاريخ.
والذين عاشوا هذه الفترة ورأوا ما حصل فيها من التحول المدهش والانقلاب العجيب، أو كان لهم شرف المساهمة في تحقيق مشاريع محمد الخامس، لا يعتقدون أنه نعم بالملك كما ينعم الملوك، لأنهم يعرفون أنه ما ذاق طعم الراحة من أجل أمته إلا قليلا. وأكبر ما يرجون ويتمنون أن يطيل الله حياة هذا القائد الكبير النفس، البعيد النظر، حتى يحقق النصر لوطنه في معركة بناء المستقبل الباسم كما حقق لها النصر في معركة تحطيم الماضي البغيض.