فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 27

وقد كان له بالفعل شأن عظيم.

ففي الخطاب الأول الذي وجهه جلالته إلى شعبه، يوم تبوأ العرش، أهاب بالأمة المغربية إلى التربية والتعليم، ولم يكن في الإمكان أن يقول جلالته أكثر من ذلك، ولكنه في الحقيقة قال كل شيء، فجميع الجائحات التي عصفت بنضارة المغرب إنما أتته عن طريق الجهالة، وكل محاولة لوقايته منها بغير العلم مآلها الفشل الذريع، وقد أخطأ جميع المفكرين الذين حاولوا إصلاح مجتمعاتهم بغير وسيلته، قد يؤلفون الأحزاب حول فكرة، وقد يقودون الجموع نحو النصر في معركة، ولكن أعمالهم في الأخير تذهب هباء، لأنها بنيت على شفا جرف هار، والمفكرون الناجحون هم الذين لا يستعجلون النصر والظهور، وإنما يترقون بأممهم في السلم الطبيعي، ويبدأون بالأسس قبل الجدر، وبهذه قبل السقوف، متيقنين أن المقدمات تأتي مهما طال الزمن بالنتائج، وأن الزرع لابد أن يتبعه حصاد، وهذه الخطة الأخيرة هي التي أخذ بها محمد الخامس، وهي التي تيقن أنه بها لابد يعثر على مكامن الضعف وأماكنه في قلوب"الحماة"الفرنسيين، فإنهم يجاهرون بالعداوة لكل شيء، ولكنهم لا يستطيعون المجاهرة بعداوة التعليم، وقد يواخذون على أي عمل، ويشكون في أية نية، ولكنهم لا يواخذون -علنا على الأقل- بالدعوة إلى فتح المدارس، ولا يشكون في نية الراغبين في المعرفة، سيما وهم يزعمون أن لهم مهمة تمدينية في المملكة المغربية، وكان على جلالته أن يحارب في ميدانين: ميدان الإكثار من المدارس، كيفما كان نوع التعليم فيها، وميدان المحافظة على الدين الإسلامي واللغة العربية، بجعلهما مادتين أساسيتين في برامج التعليم. وإذا كان جلالته نجح كل سنة في فتح مدارس جديدة، ورفع الاعتمادات المخصصة لها من الميزانية العامة، فإنه لم ينجح في أن يكون الإسلام والعربية مادتين في تعليم المدارس الحكومية، لذلك لم يكن بد من الالتفات إلى التعليم الديني، وإصلاحه، وجعله الأساس الذي تنبني عليه فكرة المحافظة على العروبة والإسلام في المغرب، فأنشأ النظام في القرويين، وأدخل على التعليم فيها بعض الإصلاحات، ورتب فيها المدرسين يلقون دروس الدين واللغة على مئات الطلبة الذين يؤمون مدارسها من مختلف أنحاء المغرب، ومن الجزائر والسودان أيضا. والحق أن محمد الخامس عرف كيف يسدد السهم إلى المقاتل بإصلاح التعليم الديني وتنظيفه، فإنه لم تمض إلا سنوات قليلة حتى أخذت أرحام المغاربة تتمخض بجنين، سيكون له في الفضاء دوي وفي الآذان طنين، وهكذا لم تكد فرنسا تتخد قرارها بمنع القبائل البربرية من التحاكم بالشرع الإسلامي، حتى تصدى لها الرعيل الأول من طلبة التعليم الديني. وفي طليعتهم أبناء القرويين، فكانوا هم الذين نظموا الاحتجاجات، وقادوا المظاهرات، وطرحوا أرضا أمام المراقبين الفرنسيين يجلدون بالسياط جلد العبيد، وهال الفرنسيين موقف شباب التعليم الديني، فحاول استمالته إلى جانبه مرة بالترغيب ومرة بالترهيب، فما أفلح قط شيء من ذلك، بل كانت محاولاته لا تزيد النار إلا تأريثا، وهكذا ظهرت في البلاد حركة فكرية بعضها يميل إلى الإصلاح الديني، وبعضها يظهر نشاطا في الأدب والفن، فانبرى الشبان لإلقاء الدروس الوعظية، ونظم الأشعار الحماسية، وتأليف الجمعيات والأجواق الأدبية والفنية، وعلى الجملة: فإنه لم تخمد فرنسا المقاومة المسلحة سنة 1934 حتى كان جنين المقاومة الوطنية يعلن عن وجوده باستهلال بديع!

وتابع محمد الخامس جهاده العلمي ...

والتفت محمد الخامس إلى السبل الأخرى التي نفذ منها الشر إلى المغرب، فألفى أمامه سبيلا ملتويا كله عوج وأمت، يقف الشيطان في أوله، ويرحب الطاغوت بالسالكين في وسطه، وفي آخره جهنم يفوح منها النتن والعفن، ولم يكن هذا السبيل إلا سبيل الطرقية والتصوف الكاذب، فقد تبنى الاستعمار جماعة شيوخهما الأدعياء، وأغدق عليهم نعمه الظاهرة والباطنة ليعينوه على القضاء على الإسلام وهجران القرآن، فاسترقهم حتى أصبحوا له أطوع من بنانه، وصاروا وكان فيهم أنزل الله: ?وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا? [لقمان: 6] ؛ لقد حول أولائك الشيوخ زواياهم عن القصد الذي أنشئت له إلى قصد معاكس، وجعلوا منها مراكز للتجسس ومكاتب للاستعلامات، وقاموا بأعمال مخزية لإخماد نار المقاومة باسم الدين أو أمر رب العالمين، فكان الواحد منهم يذهب إلى القبيلة المجاهدة، وقد قبض العكاز ولبس المسوح، فلا يزال يفتل لها في الحبل والغارب حتى تقبل الرضوخ للحكم الأجنبي، يذهب إليها بإبل موقرة بسبحات الأذكار، فيعود منها بإبل موقرة بمكاحل الرصاص، وشيطان الاستعمار من الوراء يمده بالكرامات والمعجزات، فكم من طيارات حملت ألوف الحصا مكتوبا فيها: فلان ولي الله وألقتها في أودية القبائل المقاومة فحملها الرعاة إلى الخيام والبيوت، فاعتقدت الدهماء أنها شهادة السماء لفلان بالولاية، وكم من هؤلاء (الأولياء) من نزل ضيفا على قبائل المقاومة، وكان كلما دخل لقضاء حاجته حلل في إناء الاستنجاء مساحيق الألبان الصناعية ومعاجينها حتى إذا خرج اعتقد الأوباش أن الماء يستحيل بمسه لبنا حليبا، فكانت المعركة الثانية التي خاضها محمد الخامس وسدد فيها ضربة ثانية على مقاتل الاستعمار تتمثل في الحملة التي شنها على الطرقية العفنة والدجل باسم الدين فبإيعاز?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت