فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 18

مشاهداتي في الحجاز

الأستاذ: عبد الله كنون

وركبنا الطائرة إلى جدة في طريقنا إلى مكة المكرمة واحرمنا في الجو عند مسامتتنا للميقات، بعد أن أخذنا أهبتنا لذلك عند الركوب، ولما وصلنا، وجدنا السيد السفير في استقبالنا، وكان قد خرج بعدنا من المدينة المنورة بالسيارة، هو والرفقة الذين أتوا معه صباحا، فتصور كيف وصلوا قبلنا والمسافة بين المدينة وجدة بالسيارة لا تقطع في اقل من خمس ساعات؟ إن ذلك كله من عواقب الانتظار في المطار.

وكنا نريد أن نستريح بالفندق الجديد الذي حجزت السفارة لنا فيه بعض الغرف، فلما وصلنا إليه وجدنا المكلف لا علم له بذلك الحجز، حسبما ادعى، وكنا محرمين فلم نشا أن نتناقش معه كثيرا في ذلك وذهبنا مع سعادة السفير الذي لم يكن يخفف عنا ما نلاقيه من هذه الصعاب إلا خلقه وبشره وحفاوته البالغة.

وكان علينا أن نخرج هذه الورقة التي يسمونها ورقة المجاملة، لتسهيل التنقل في الطريق بين جدة ومكة وطريق عرفة وغيرها، فوجدناها عند السيد مستشار السفارة الحاج احمد الشرقاوي، كما وجدنا عنده رسائل الدعوة إلى المأدبة الرسمية التي يقيمها جلالة الملك سعود لوفود الحجاج من جميع البلاد الإسلامية مساء ذلك اليوم بمكة، ولم يكن من الممكن حضور هذه المأدبة، وانم أكد عاينا المستشار في ذلك، فقد خرجنا من جدة عشية، بعد أن خفت حرارة الشمس شيئا ما وتعرضنا في الطريق لكثير من التوقفات عند مراكز الشرطة المتعددة، بحيث قضينا في هذه الرحلة ساعتين كاملتين، والمسافة لا تتعدى سبعين كيلومترا، والسبيل معبدة كأحسن ما يكون.

ومن غريب ما وقع لنا في احد مراكز الشرطة هذه أن سألنا الشرطي: بكم اكتريتم هذه السيارة؟ فقلنا له مائة ريال سعودي، فانزل السائق وجعل يوبخه، ثم قال لنا: لا تدفعوا له إلا 36 ريالا بواقع سنة اريلة للنفر، يعني 3600 فرنك، مبلغ منخفض جدا لكراء سيارة خاصة بين مدينة وأخرى على المسافة التي ذكرنا، ولو كانت أسعار الحاجيات في الحجاز والكراء والخدمات العامة كلها بهذه التقدير، وخضعت للرقابة الصارمة، لصار الحج من أسهل ما يكون على الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي لا يستطيعه منها إلا من استنفد غاية جهده، وانفق كل ما عنده ليلبي نداء ربه ويرضى شعوره وضميره، فمتى ينقضي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، أو يقف عند حد معقول، ولا سيما المسلم للمسلم، وخاصة في الأمور الدينية.

وهنا نذكر استغلال شركات السفر عندنا والنقل الجوي والبحري والبري، والاثمان الباهظة، التي تتقاضاها من الحجاج، والتلاعب الذي تقوم به البواخر بالخصوص في تأخير مواعد الرجوع، لتستغل الوقت في تنظيم سفريات من جدة لليمن أو غيره من الأقطار الأخرى، على حين أن الحجاج المغاربة ينتظرون الرجوع إلى بلادهم بفارغ الصبر، وقد اخذ منهم الضعف والعياء كل مأخذ، فهل أن الأوان لقيام المسؤولين بواجبهم في هذا الصدد، وقطع الطريق على كل مستغل مستفيد حتى على حساب الشعائر الدينية والمؤمنين القائمين بأدائها، فينفرج الخناق على الناس، ويشعروا بأنهم في عهد غير العهد البائد الذي لم تكن تستغرب من رجاله هذه الأعمال؟ ...

وكان وصولنا إلى مكة المكرمة عند الغروب، ولم نعامل السائق طبعا بما طلب إلينا شرطي المركز، كما أننا لم نتردد فيما يجب علينا البدء به، ولم نقل ما قاله جريح، (رب! أمي وصلاتي؟) بل ذهبنا توا إلى البيت الحرام، وطفنا وسعينا وأحللنا من عمرتنا، ثم جئنا إلى رباط المغرب الذي هو محل نزول الوفد، وهناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت