فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 17

كان الإنسان في الدنيا لا تنفك تعمل فيه قوة الهداية الفطرية وقوة الضلالة المفروضة عليه من الله تعالى على صورة غير محسوسة، تدعوه هذه إلى الصراط المستقيم بإشارات لطيفة، وترغبه تلك في زخرفة الباطل، وتزينه في نظره وتلهيه بمظاهره الخلابة، فهو تارة يتأثر بعوامل الباطل ويستعين بما تحت إرادته من القوى بطريق فاسد، فيتردى في هوة الضلالة، ولا يلقى سمعه إلى صوت الحق ودعوته. وتارة يكون سالكا طريق الباطل، إذا بعقله وبصيرته وما إليهما من العوامل الداخلية والخارجية ترغبه عنه ويشتد نور الهداية أمام عينيه، نفس ذلك النور الذي كان خفيفا من قبل، ويفتح عينيه دفعة واحدة فيميل إلى طريق الحق، وتارة يبقى متذبذبا يبن طريق الحق والباطل يميل إلى هذا مرة وإلى ذلك أخرى، ولا يكون من حيث قوة قضائه وعزيمته حتى ينقطع إما إلى هذا أو إلى ذاك، فمن الناس من يفارقون الدنيا على ما كانوا عليه في هذا العالم من التذبذب، ومنهم من يموتون على الضلالة، ومنهم من يدركون إشارة الهداية الإلهية بعد بحث وتمحيص ونضال طويل. وأحسنهم حظا أولئك الذين فطرتهم سليمة، وقلوبهم صحيحة، ونظرهم سديد، فيستعينون بما آتاهم ربهم من العقل والأعين والآذان وأودع فطرتهم من القوى على الوجه الصحيح، ويستخرجون النتائج الصحيحة من مشاهداتهم وتجاربهم، ويعتبرون بما يرون من الآيات الإلهية، فلا تغرهم زينة الباطل ولا يخلب لبهم دجل الكذب، وهم لا يكادون يرون طرق الباطل المعوجة إلا ويعلمون أنها لا تصلح لسلوكهم، ثم إن هؤلاء عند ما يتوجهون إلى الحق ويتقدمون في سبيل طلبه، يرحب بهم الحق ويستقبلهم نور الهداية، وهم عند ما يرون الحق حقا والباطل باطلا لا تنجح قوة من قوى الدنيا في الانحراف بهم عن طريق الحق إلى طريق الباطل.

وشيء آخر يجمل بنا أن نذكره في هذا المقام، والحاجة شديدة إلى أن يكون المسلمون على ذكر منه، وهو أن المشاهير من غير المسلمين في الغرب عندما يأتون بآراء حسنة في الإسلام فإن المسلمين في الشرق ينشرون آراءهم تلك في جرائدهم ومجلاتهم بكل غبطة وسرور، كأن الإسلام قد حظي بالشهادة منهم بصدقه، ولكن يجب أن لا يغيب عن بالنا أن صدق الإسلام وكونه على الحق غني عن أن يعترف به زيد أو بكر، فكما أن ضياء الشمس لا يحتاج إلى أن يعترف به زيد ولا يحتاج حر النار وسيلان الماء إلى أن يسلم بهما بكر، فكذلك صدق الإسلام، وكونه دعوة إلى الحق، لا يحتاج البتة إلى أن يعترف به أحد ويفيض عليه الثناء الضافي المعطر، كائنا من كان، ولا سيما أولئك الذين لا تطابق ألسنتهم قلوبهم، ويكذبون بإعراضهم عنه وإنكارهم له مدحهم له وثناءهم عليه، فإنهم لو كانوا معترفين بحسنه في حقيقة الأمر لآمنوا به، ولكنهم لما أبوا أن يؤمنوا به على اعترافهم بحسنه بألسنتهم، فما هم في نظر أرباب العقل والبصيرة إلا مثل من يسلم بحذاقة الطبيب ويكيل الثناء عليه بدون وزن ولا كيل لصحة وصفه للمرض، ولكن يرجع لعلاج نفسه إلى متطبب يزيده مرضا إلى مرضه.

فليعلم المسلمون أن ليس الاعتراف من أي رجل كبير بصدق الإسلام شيئا يفتخر أو يغتبط به، لأن الإسلام حسبه فخرا قول الله عز وجل: ?إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ? [آل عمران: 19] وقوله: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? [المائدة: 3] في كتابه المجيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت