فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 16
فشيء واحد يسمعه الإنسان ألف مرة، وفي كل مرة يأبى أن يقبله، ولكن يأتي عليه حين ينفتح فيه قلبه المغلق دفعة واحدة لذلك الشيء نفسه، فبينما كان هو لا يجتاز أذنيه من قبل، إذا به الآن ينفذ إلى أعماق قلبه.
وكذلك نرى رجلا واحدا يتفق له غير مرة أن يرى المنكوبين ولكن لا يلتفت إليهم ولا يبالي بنكبتهم، على أن هذا الرجل نفسه يمتلئ قلبه رحمة وشفقة في ساعة خاصة برؤية غيره قد نزلت به المصيبة ويتمزق ما يكون فيه قلبه من غلاف القساوة حتى يصبح من أكثر الناس مواساة ورحمة وعطفا على غيره، وكذلك نرى رجلا واحدا يتفق له أن يرى في حياته عدة مناظر مؤلمة، فيها العبرة لأولي الأبصار، فهو مرة ينظر إليها كأنه يتلهى بمنظرها، ومرة أخرى ينظر إليها بنظرة ملؤها الأسف والحزن، ومرة ثالثة ينظر إليها بنظرة تؤثر فيه بصفة دائمة.
فهذا هو السر في اهتداء الإنسان إلى صراط الله المستقيم أو ضلاله عنه، فالقرآن، وتعليمه هو تعليمه، والرسول التالي لآياته هو الرسول، وما زال أبو جهل وأبو لهب يسمعانه، ولكنه ما جاوز آذانهما، على حين أن أبا بكر الصديق وعلى بن آبي طالب وخديجة رضي الله عنهم لما سمعوه آمنوا به عند أول سماعهم إياه بدون أن يمر بخلدهم نوع من الشبهة في صدقه.
وسمعه عمر ابن الخطاب غير مرة ولا مرتين، وأبى في كل مرة أن يؤمن به، بل اشتد في مخاصمته وعدائه، ولكنه لما سمعه مرة، وهو هو نفسه، وأذناه هما أذناه، وقلبه هو قلبه، تمزق كل ما كان بين قلبه وأذنيه من أستار العداء والمخاصمة، وتأثر به حتى انقلبت حياته ظهرا لبطن.
لا ريب أن هذا الاختلاف في الكيفية وفي التأثر والتأثير، يمكن تأويله على غير وجه واحد من الناحية النفسية، ولا ريب كذلك في صحة كل وجه من هذه الوجوه، إلا أن الذي لا مجال فيه للإنكار والمكابرة -في الوقت نفسه- أن الحالة التي تظهر مرة بمظهر حجاب مستديم بين الإنسان ونظره، وتظهر مرة أخرى بمظهر حجاب يبقى إلى مدة خاصة ويتمزق بنفسه في ساعة نفسانية خاصة، ولا تظهر مرة ثالثة بمظهر حجاب أصلا ... ليست هذه الحالة بتابعة لإرادة الإنسان واختياره، وإنما هي تنشأ فيه بسائق الفطرة والجبلة التي جبل عليها الإنسان، وهي التي يبينها خالق الإنسان ومدبر السماوات والأرض سبحانه وتعالى بقوله: ?فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء، كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ? (الأنعام: 125) ويبينها في موضع آخر بقوله: ?وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء? (النحل: 93) . ويبين كيفية اهتداء الإنسان بقوله: ?قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ? (الرعد: 27) وكيفية ضلاله بقوله: ?وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا? (الإسراء: 45 - 46) .
فالكيفية الفطرية التي تنشأ في قلب الإنسان على غير اختيار ولا إرادة منه بسماعه للحق، وتجره أخيرا إلى قبوله وإيثاره، هي التي عبر عنها باهتداء الإنسان في هذه الآيات، كما عبر فيها عن إنشاء الله تعالى هذه الكيفية في قلبه بشرحه لصدره.
أما الكيفية التي تنشأ في قلب الإنسان لإنكار الحق، والإعراض عن قبوله وإيثاره، فقد عبر عنها في هذه الآيات بضلال الإنسان، وعبر عن إنشاء هذه الكيفية في قلب الإنسان بجعله صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. أما السبب الذي جاء بيانه في هذه الآيات لاهتداء الإنسان وضلاله، أو انشراح صدره وضيقه، فهو أنه إذا أناب إلى الله تعالى مرة، بدأ يتضح له ذلك الطريق الذي يوصله إلى الله، وأنه إذا استكبر ولم يشعر بحاجة للإنابة إليه، ولا بكونه مسؤولا أمامه عن أفعال لسانه وقلبه وجوارحه، فإنه لا ينزل من قلبه شيء، ولا يهتدي إلى صراط الحق مهما بذل غيره من الجهد في وعظه وتلقينه كلمة الحق.
وهنا أيضا قد اختلط أمران إذا فهمنا كلا منهما على حدة انحلت لنا العقدة في كل موضع من مواضع القرآن جاء فيه بيان اهتداء الإنسان أو ضلاله.
ففي جانب قد قيل في هذه الآيات إن الله هو الذي يهدي الإنسان ويشرح صدره أو يضله ويجعل صدره ضيقا، وفي الجانب الآخر قد قيل فيها إن اهتداء الإنسان وانشراح صدره مشروط بإنابته إلى الله، وإن السبب في ضلاله وضيق صدره هو أنه لا ينيب إلى الله ولا يشعر بكونه مسؤولا أمامه.
فالعلاقة بين هذين الأمرين أن الله تعالى قد أودع فطرة الإنسان قوة تعينه على معرفة الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، وتهيب به إلى التزام الحق واجتناب الباطل، وأن هذه القوة هي الهداية الفطرية التي ينسبها الله تعالى إلى نفسه ويشير إليها بقوله: ? فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا? [الروم: 30] . ومع هذه القوة فإن الإنسان فيه قوة أخرى تجره إلى الباطل وتزين في نظره الكذب والمين، وترغبه في الانحراف عن صراط الحق، ومع هذه وهذه فإن الإنسان فيه قوى داخلية وخارجية كثيرة، تعاون بعضها قوة الهداية وبعضها قوة الضلالة. فاكتساب العلم ومدارجه المتعددة، والتهذيب وكيفياته المتنوعة، والبيئة وأحوالها المختلفة، كل هذا مما يؤثر في الإنسان من خارجه، ويرجح إما كفة اهتدائه أو كفة ضلاله.
وإعمال الإنسان ما في داخله من قوة التمييز والفهم والبصيرة والفراسة والتعقل، واستخدامه وسائل اكتساب العلم، واستعانته بعزيمته على الوجه الصحيح أو الخاطئ لإتباع الحق أو الباطل، كل هذا مما هو تابع لإرادته، وبه يميز بين قوى الهداية أو الضلالة المتعارضة.