فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 24

للأستاذ: محمد الطنجي

من القضايا المعلومة في الإسلام أن هذا الدين جاء لعمارة الدنيا وعمارة الآخرة، وإن سعادة أهله مقترنة بتمسكهم بعقيدته وإقامتهم لفروضه وحدوده ووقوفهم عند أوامره نواهيه هذا قول فصل فيه، ووعد صدق حققه الله لأتباعه ومعتنقيه، بشاهد قول الله تعالى وعد الله لأتباعه ومعتنقيه، بشاهد قول الله تعالى"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا»"

ولم يجاوز واقع تاريخ الأمة الإسلامية هذه الوعود التي بوأت أمة العربي في الدنيا مكانة الخلود، وجعلتها بتربيته وأخلاقه خير أمة في الوجود، خير أمة أخرجت للناس، علمتهم كيف تبني المكارم، وتشاد على أسس التقوى والعدالة الاجتماعية المآثر والعظائم، فما رأت البشرية مثل محمد بن عبد الله نبيا للخير داعيا، ولا شاهدت كرسول الإسلام قدوة لكل المكارم بنفسه بانيا، بقوله وعمله لطريق الفضائل هاديا، وما كان خلفاؤه الراشدون وأتباعه العاملون المخلصون غير سالكين مسالك إرشاده، ورافعين لإعلام رسالته وجهاده، ترسموا خطى الرسول حتى بلغوا بهدايته كل المأمول، فتحقق لهم قول الله تعالى «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» .

ومن الغنى عن البيان أن إقامة الخلافة الإسلامية ونشر الدعوة المحمدية وإقرار شريعة الحق والعدل بين البشرية، يتطلب كل ذلك جهودا مادية ومعنوية، فالإيمان بالله وإقامة عبادته من صلاة وصيام أفرادا وجماعات لا تحتاج إلى الأموال الكثيرة مثل ما تحتاج الأمور التي تخص الجيش والأمن ومعاقل الثغور ورباط الخيل، وأخذ كل العدة لمجابهة قوة العدة بقوة مثلها أو بقوة تزيد عليها حتى تكفل التغلب والفوز والنصر للمسلمين، وبعبارة أوضح وأشمل إن الإعداد المادي لابد أن يبذل المسلمون فيه كل ما في استطاعتهم بحيث يتمثلون قول الله تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» في أعلى صوره وأروع وسائله، فلا يقفون عند بحث الذرة من ذلك، فالإسلام الذي تكونت تحت رايته وتعالمه هذه المجموعة من الدول في مشارق الأرض ومغاربها ينفذ بتشريعه وأخلاقه إلى صميم الحياة فييسرها ويطورها تطويرا يتلاءم مع شرائعه وآدابه، ويطبعها بطابعه الممتاز في التعاون والمواساة الاجتماعية والمواساة التامة بين جميع الحقوق والواجبات.

والإسلام كنظام اجتماعي عايش الناس وعاشوا في ظله وكنفه ورعايته مغتبطين به، وسعداء بعقيدته وخدمة مثله العليا، وهو لأجل ذلك يتطلب المعونة المادية للنهوض بكل ما يلزم للحياة الاجتماعية في أرقى صورها وأحسن أنظمتها بما في ذلك نفقات مصالح الدولة ودواليبها الإدارية وإسناد مؤسسات التعاون والإسعاف، فمن أين تكون موارد هذه الأموال؟ وكيف تصرف بعد تحصيلها؟

موارد مالية الدولة في الإسلام:

من الغلط ظن بعض الناس أن موارد الدولة في التشريع الإسلامي لا توجد إلا عن طريق الزكاة وبالخصوص على الكيفية التي قررها فقهاء بعض المذاهب بحصرها في حبوب خاصة وأخذها من أموال محدودة وبعد مرور زمن مخصوص على ملكها، لأن موارد الزكاة على تلك الكيفية لا تفي بحاجة الدولة والأمة كنفقات المؤسسات الاجتماعية وحراس الأمن في الداخل وحماية الثغور وتشييد المعاقل لدرء الأخطار عن الأمة إذا هوجمت من الخارج، بل توجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت