فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 5287

هناك موارد أخرى غير الزكاة كما توجد نظريات صائبة فقد قال فطاحل من علماء الإسلام بجوار فرض الخراج على الأمة وقت ضعف الدولة، حتى تتمكن من حماية نفسها، ومن هؤلاء الإمام ألشاطبي، وقد وجدت هذه النظريات قبل أن تتطور الحياة الاجتماعية حسب مقتضيات العصر الحديث الآلي الميكانيكي أما الآن فلا يدري أحد ما كان يستقر عليه رأيهم لو كانوا في عداد الأحياء ولكننا لانعدام من نبغاء المسلمين في الشريعة نظرات صائبة ينبغي للمصلحين في الأمم الإسلامية المعاصرة أن يتمعنوا فيما ترمي إليه ويحوروا حياة الأمة الإسلامية حسب توجيهاتها ولا باس بإدخال بعض الإصلاحات الجوهرية على حياتها الشرقية حتى نحافظ على بعض مميزاتنا فقد فقدت حياتنا كثير من توازنها وروحانيتها بسبب كثرة تقليدها للأوروبيين والغربيين على العموم في أساليب حياتهم ونظمهم التشريعية والاجتماعية.

وهذا ما دعاني لأن أتعرض لبعض المصالح العامة المشتركة التي يسمح الدين الإسلامي بمرونته لولاة المسلمين بتقرير كل لوازمها وفرض نفقات ذلك على الرعية بحكم اشتراكهم في الانتفاع من هذه المصالح فالتشريع الإسلامي يعتبر المصلحة الخالصة والراجحة كما يدرأ ويمنع المفسدة الخالصة والراجحة والإيمان في مجموعة جملة من المصالح والمنافع الروحية والمادية وهو كالدوحة المتفرعة الأغصان ذات الشعب المختلفة، تتصل بجميع عناصر الخير في الوجود الروحاني والمادي أو هي في نفس تلك العناصر كما يفصح عن ذلك حديث الرسول الثابت الصحيح حيث يقول عليه السلام أن للإيمان لشعبا وإن أعلاها كلمة التوحيد، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان فتعبيد الطرق لمصلحة عموم الناس كذلك أولى فإن الله أمر في القرآن الكريم بالتعاون على البر والتقوى ينبغي أن يكون على المشاريع الكبرى التي تحصل المصلحة العامة العليا أو تدرأ الأخطار عن الأمة من باب أولى وأحرى، كما يستفاد مما قصه الله في القرآن في الردم الذي شيده ذو القرنين بتعاون مع القوم الذين رأوا ضخامة ملكه فطلبوا منه عملا عظيما، كما ذكر الكتاب العزيز في آيات: قالوا يا ذا القرنين إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكنني فيه ربي خير، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، آتوني زبر الحديد، حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا، حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، قال هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا. وهذا العمل يعتبر من باب درء المفاسد في الدرجة الأولى ومن المعلوم في علوم القرآن أنه إذا ساق قصصا سياق مدح كان مقرا لها، وكان العمل على مضمونها شرعا محكما من شرائع الإسلام، فقد يقال أن القوم طلبوا ذلك اختبارا منهم فلا ينبغي لمن يهمهم الأمر مجاوزة درجة الاختيار في مثل هذه المشاريع لكنا نجيب عن ذلك بأن ثواب قومهم طلبوا منه ذلك فوافق عليه فأصبح أمرا نافذا، كما يقرر أعضاء المجالس النيابية الأمور فيوافق عليها الرئيس الأعلى إذا كانت في مصلحة الأمة، وقد وقع مثل هذا العمل من نفس رسولنا الكريم في غزوة الخندق فقد أشار بعملها سليمان الفارسي رضي الله عنه وما تحقق الرسول بفائدة الخندق التي لدرء الهجوم الذي أعده أعداء الإسلام على المدينة حتى قرر حفرها وعمل فيها كل من أمكنه العمل من المهاجرين والأنصار حتى الرسول نفسه.

وعلى أساس هذه التوجهات لا نرى ما يمنع الحاكم المسلم من فرض التعاون على مصالح المواصلات البرية والبحرية والجوية بتعبيد الطرق المختلفة وفتح الخطوط وبناء المطارات و كل ما يلزم لهذه المهمة مع فرض الضرائب على كل من ينتفع بذلك من أصحاب السيارات والدراجات والمراكب والطائرات حتى المارة من الناس وما يملكون من الدواب وكذلك الشأن في الانتفاع من مرافق الحياة كالحراسة وإنارة الشوارع وبناء القنوات لتصريف المياه الخبيثة الحارة والمضافة كما يقولون مع فرض ضرائب على المشتركين من جميع السكان المنتفعين بهذه المرافق على ما تقضي به العدالة في دائرة التعاون ساءت المواصلات وكثرت الأوحال وال أزبال والأقدار بين الناس، وانتشرت الأوبئة، وفسد نظام الأمن بكثرة السرقات لفقدان الحراس، وفقدت النظافة والطهارة التي يأمر بها الإسلام وهذه مفاسد في العصر الحاضر يجب درءها والوقاية منها، ويمكن الإسلام بمرونة تشريعه الحكيم أن يجدد شباب أتباعه بتكوين أرقى أمة وأقوى دولة على أساس العدالة والأخلاق المتينة والإحسان العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت