دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 ص 12
للأستاذ: محمد الطنجي
ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.
قرآن الكريم
إن مصالح الأمة كمصالح الملة، يحتاج قيامها على أحسن حال إلى الإخلاص والكفاءة والنشاط، ولا يخفى أن الإخلاص للمبدأ يعتمد التفاني في خدمته، ونشر الدعوة له، وحياطته وصيانته عن تلاعب أصحاب الأغراض والأطماع الشخصية به، مهما كلف الحال المومنين به من تضحية بالنفس والمال فما دون ذلك.
وأن الدولة والأمة إذا طال قيمها عهد لاستقرار قد لا يعرف غير الناهبين المومن الصادق من المداهن المنافق، فيكثر المدعون للإخلاص والعمل به، دون حاجة إلى إقامة الحجج والبينات على صدق الصادقين وكذب والمداهنين المتملقين، ولكن إذا اضطربت الحال، وأبرزت الخطوب أنيابها، وأظهرت الظروف الحرجة صعابها، هناك فقط يعرف إخوان الكذب والرخاء من أهل الصدق والوفاء. فجزى الله أيام الشدة كل خير فهي المعيار الحقيقي والامتحان الصادق للأخيار والأشرار، وكم من محنة في طيها نعمة، يعلم بها الأمين من الخائن والصادق من الكاذب والطيب من الخبيث، فيهلك من هلك عن بنية، كما قال الله تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ـ لقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.
وأن في تقلبات الأحوال من انتصار وانكسار لعبرا ومواعظ لأهل الاستبصار، لا ينبغي أن يهمل الاتعاظ بها الأحرار، ولنا معشر المسلمين في عسيرة نبينا ما يضيء أمامنا السبيل، ويكون في عهد الاستقلال خير دليل، فقد نصر الله المسلمين على أعدائهم يوم غزوة بدر وهم أذلة، فبوأهم من الكرامة والعزة مكانه مرموقة، انتشر لهم بها الذكر الجميل، وأبقى الله ذكرى غزوة بدر علما انتصار الإسلام الخالد في كل تاريخ وجيل، فقال رأس المنافقين إذ ذالك عبد الله بن أبي بن سلول: هذا أمر قد توجه ودخل في الإسلام كما في صحيح البخاري، ولكن الله سبحانه، اقتضت حكمته أن تأتي بعد ذلك النصر غزوة أحد، كامتحان لصدق إيمان الصادقين وافتضاح نفاق المداهنين، ليقوم بناء الإسلام على أساطين المخلصين ولا يتولى شؤون أهله إلا من عرف بالصدق وقوة اليقين، قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: أن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعبادة محنة (يعني غزوة أحد) ميزت المومن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمون، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم صريحا، وانقسم الناس إلى مومن وكافر منافق، وعرف المومنون أن لهم عدوا في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، قال الله تعالى ك ما كان الله ليذر المومنين على أنهم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المونين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق، كما ميزهم بالمحنة يوم أحد، وما كان الله ليطلعهم على الغيب الذي يميز به هؤلاء وهؤلاء، وأنهم متميزون في عمله وغيبه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تميزا مشهودا فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة، وقوله ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب كما قال: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من