الخطة التي نسلكها إلى استرجاع حماد إلى حظيرة الإسلام، فإننا إن نجحنا في ذلك، يكون أمر غيره من الأخوة جللا هينا يسيرا غير عسير.
دخلنا في الساعة التاسعة فيوم السبت 29 من شهر جمادى الأولى إلى قاعة الاجتماع، فوجدنا إبراهيم قد نظم المقاعد وكتب على كل مقعد اسم صاحبه، وجعل مقعدي في الصدر، وفي مقابلتي مقعد الدكتور، عن يميني الشيخ الصوفي وعن يساري الفقيه، ومقعد إبراهيم عن جانب الدكتور ويبتعد عنه قليلا، ووجدنا الماء البارد مهيئا، ولفائف التبغ أمام مقعد الدكتور، وحقن فيهما ما يستنشقه الفقيه والشيخ الصوفي، وما في حق الفقيه هو المسحوق المعهود استنشاقه (التنفيحة) ، وما في حق الشيخ مسحوق عطر هيأه إبراهيم للشيخ، يذهب به صدرا، مع نصحنا للدكتور أن يقلل منه. كنت أنا والدكتور أول الداخلين، فأعجبتني من الدكتور تظاهره بالأدب التام نحو أخيه الأكبر فقد أدى له ـ والحق يقال ـ ما عليه حين حياه، وإن كان الشيخ لم يوف للدكتور نصيبه، بل اشمأز عنه، وأنف من أن يكثر معه الخطاب اللين إلى الحد الذي تقضي به العادة عند اللقاء بعد فراق طويل، فتوجست خوفا أن يفسد علينا الشيخ ما نحن فيه، ولكن لا تكالي على الله تناسيت ذلك.
جاء الشيخ وقال لأخيه إبراهيم: إنني لا إلف أن أجلس جلستكم هذه أكثر من عشر دقائق. فبادر إبراهيم فأتى بحشية وتكأة فبسطهما له، فاستوى الشيخ كما يريد وارتفق.
ثم قمت فألقيت خطبة الافتتاح ونصها: الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، ووضع في صدره نورا يعرف به النهار المشمس من الليل البهيم، وهداه إلى سواء السبيل، بعقل وضعه بين جنبيه، وجعل له السمع والأبصار والأفئدة يدرك بها ما خلفه وما بين يديه، وخلق بين بني آدم من الرجال العظام من جبلتهم على أرشاد الحيارى، واستصحاء السكارى، حتى يعرف المتطلب للحق، إن كان عند المسلمين أو اليهود أو النصارى.
أما بعد فإننا اجتمعنا في هذا المجلس لنبحث في حقيقة واحدة هي موضوع اجتماعنا لا غير، إلا وهي الإسلام، ننظر فيه هل هو دين الحق؟ وهل يليق بالمتدينين اليوم؟ وهل هو دين الرقي؟ وهل يتسع صدره للمدينة التي تبهر اليوم الأبصار؟ أم هو غير ذلك كله فينبذ، فإن بعض من خضر معنا يرغب أن يعرف هذه الحقيقة، ولذلك وحدة عقدنا هذا المجلس الذي سيستمر كل يوم مرتين، حتى يصل إلى هذه الحقيقة. وتلافيا لانتشار الأبحاث وبلبلة الأفكار، للحرص على لزوم النظام وأدب الخطاب والوصول إلى النتيجة التي هي طلبتنا أجمعين، أحطنا هذا الاجتماع بهذا القانون، كما ظهر لمن شر فتموه قبل، وجعلتهم إليه إدارة هذا لمن شر فتموه قبل، وجعلتم إليه إدارة هذا المجلس وتسيير هذه المحاورة إلى آخرها، وهاكم بنود هذا القانون التي تتطلب من كل واحد المحافظة عليها، ونحن نشكره على ذلك القانون وهو الخ.
ثم تلوث القانون كما تقدم، وبعد تمام تلاوته طلبت من الحاضرين أن يعلنوا الموافقة عليه أن ارتضوه بطيب نفوسهم، فقال الشيخ: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
صدق الله العظيم.
وقال الفقيه: أن من الواجب والمحتم على جميع المؤمنين ـ فاعلم ـ أن يخضعوا فيما أبيح للإمام:
وإن يروه واجبا على التمام.
وقال الدكتور: قال العلامة القانوني فلان الهولندي: الخضوع للقوانين بطيب نفس من مميزات المهذبين المتمدنين الاجتماعيين، والإنسان مدني بالطبع.
ثم قلت: أن كانت هناك ملاحظة تتعلق بهذا القانون فإنني أتقبلها، لأن أمورنا كلها شورى.
فقال الشيخ: وشاورهم في الأمر كما يقول الله لنبيه عليه الصلاة والسلام. وقال الفقيه: أن الله يقول في صفة المؤمنين: وأمرهم شورى بينهم.
وقال الدكتور: أن المدينة الفاضلة التي يحلم بها الفلاسفة أبدا، لا يرون أساسها إلا الشورى.
ثم أعلنت اختتام جلسة المفتتح، وموعدنا الرابعة في العشية، والموضوع كلمة في الإسلام مجملة.