فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 9

بين الجمود والجحود

للأستاذ الكبير: السيد المختار السوسي

أجلت بصري في غرفة مضيفي- ولم أكن اجهلها قبل، وإنما سنح لي أن ازداد بها معرفة، بعد ما رأيت غرفة أخيه الصوفي، وما تحتوي عليه من الإناث والكتب الصوفية، وغرفة أخيه حماد المحتوية على صور تمثل التهتك والخلاعة، وبضعة روايات غرامية بين شرقية وغربية جلها على نمط التهتك العريان، فمددت نظري أجول به في إنحاء المكان، فابتسمت حين أرى إناث المكان مزدوجا يجمع بين الذوق الشرقي والذوق الغربي، ففي مشجب جبة شرقية وعلى أخرى معطف فرنجي، والمصحف على مرقع جميل في وسط صوان براق، وفي مقابلته بضع صور لبعض عظماء من الشرقيين والغربيين، من بينها صور جلالة الملك وولي عهده، ومن بينها صور لويد جورج، وويلسون، وماركوني، ثم قمت إلى الكتب التي على المنضدة الموضوعة في إحدى زوايا المكان، فوجدت العربية والفرنسية متجاورة، ففيها حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل، ومقدمة التفسير لفريد وجدي، وفتوحات العلم الحديث لصاحب المقتطف، وبضعة أجزاء من تفاسير مطولة، كروح المعاني، وأجزاء أخرى من تواريخ ابن خلدون، ابن الأثير، وكتب أدبية كابن خلكان، ونفح الطيب، وبعض روايات المنفلوطي، وإزاءها قاموس فرنسي، ودائرة المعارف الفرنسية، وبعض روايات لشكسبير، ومؤلف دانتي حول الجحيم فقلت:

هكذا تمثل مكتبة إنسان نفسيته بلا ريب.

ثم قمت إلى خزانة الكتب الواسعة وهي مفتوحة إلى ممر المكان الذي نحن فيه، وهي على قسمين عربي وفرنجي، فبقيت هناك ما شاء الله أفتش عن كتب أراجع فيها بعض ما توقفت عليه، وقد أعجبت بنظام الخزانة، وان كان ذلك ليس بعجيب من أمثال إبراهيم المرن على النظام في كل شئونه، فالنوم في وقته، والأكل في وقته، والصلاة في وقتها، والاستراحة والتحدث إلى أهله في وقتهما، والخروج إلى متجره والدخول منه في الدقيقة المعتادة لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وقد حمل كل من معه من عملة متجره ومن كتاب كنانيسه على ذلك حتى مرنوا عليه، وكثيرا ما يتأسف على انه لم يستطيع بعد، أن يرى من أمته كثيرين اتصفوا بالنظام، العمل دائما، والنظام أصل من أصول الإسلام.

السيد العربي يحضر

فاجأنا البواب ونحن في الأصيل، بان السيد العربي في الباب مع رفيق، فبادرت مع رب الدار فلاقيناهما، وكان اليوم باردا، فجاء السيد العربي ملففا برداء وسلهام الصوفيين أبيضين، وفي رجليه خفان أحمران من جلد، وعمامته المكورة اكبر مما رايتها في سلا، وقد اكتحلت عيناه، وفي يده عكازة ملساء، في أعلاها تفاحة حمراء فلم الق عليه طرفي وهو بهذه الهيأة المسترعية لكل ذي بصر، حتى تذكرت زي أخيه حماد، فإنهما في إلهيا على طرفي نقيض.

قال الضيف بعد الجلوس:

إن هذا السيد الذي معي هو الفقيه العلامة محقق المدقق المشارك الفهامة المؤلف سيدي احمد بن عبد السلام، وهو الحمد لله من طبقة الرعيل الذي أخذنا عنه وان كان في مثلي سنا، لان نجابته العظيمة أهلته أن يتولى التدريس قبل أن يكون ابن إحدى وعشرين سنة، فله حاشية عظيمة على توحيد ابن عاشر، وقد أمضى في تنقيحها جل عمره-يرى تلك السن في غاية التبكير في ميدان النجاح- وان كان إلفها قبل أن يكون ابن إحدى وعشرين سنة، فهو نظير الاخضري المؤلف للسلم في السن، ومثل الشيخ خليل في المثابرة على تنقيح مختصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت