فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص26

للأستاذ: عبد الهادي التازي

الحق أن الرغبة كانت ملحة لاستصدار هذه (الدعوة) سيما في عصر كهذا طغت فيه المادة، واستبدت بالناس الحيرة، وتملك الآخرين نوع من التساهل والعبث واللامبالاة وأن الأمر - من لدن صاحب الجلالة - بإسماع الناس هذا النوع من القول كان في جملة المحامد التي عرفها لجلالته هذا الشعب العربي المسلم الغيور. فمن هؤلاء الذين سيدعون الناس؟ وهل أن الدعوة مجرد صناعة لا تتطلب من صاحبها أكثر من أن ينصب نفسه أمام الناس يأمر ويقترح؟ وهل يكفي لأن يصبح المرء داعية أن يتوفر على وعي الكثير من الآي والحديث ليردد أمام الناس ما قاله الله، وما رواه عن رسول الله؟ هذه أسئلة يجب دائما أن نجعلها نصب أعيننا متى أردنا أن نقوم بواجب الدعوة. إنه لمن السهل بمكان أن تقول، ولكن هل من السهل كذلك أن تحصل على مستمع يميل إليك بقلبه ووجدانه؟ .. إن العقلاء من القوم يفضلون عدم الدعوة على أن يكون الدعاة غير أهل للدعوة، إذ أن الخطر فيهم وهم يقومون بها يكون أكثر مما لو سكتوا. فكيف يجب أن يكون دعاتنا؟ هل من نوع ذلك الطبيب الذي وقف أمام الناس يصف لهم دواء يصلح النظر بينما هو لا يستطيع أن يفتح عيونه من داء العيون؟ إن أبرز صفات الداعي أن يؤمن بما يدعو إليه إيمانا لا يتطرق إليه الشك ولا يساوره اضطراب، نعم أن يعتقد وأن تظهر عليه هو أمارات ذلك الاعتقاد، لا فقط إسداء النصح لنا، ولكن دائما: في بيته، وفي طريقه، وفي مكتبه، وفي أحاديثه العادية مع الآخرين .. نعم، نريد أن يكون الداعي مشبعا بالمبدأ الذي يدعو إليه، فهو يدعو إلى الصراحة في القول وإنك لن تراه بحال منافقا أو مخاتلا وهو يدعو إلى الإخلاص في العمل وإنك لن تضبط عليه في يوم من الأيام تهاونا أو خذلانا لجانب الإخلاص؛ وهو يدعو إلى العدل وإنك لن تنجح في ظرف ما من الظروف أن تقف عليه وهو يوازن بين كتف الخصوم، أو يتناول رشوة ولو على أنها (هدية) من الهدايا، أو تذكار في جملة التذاكير. فمهمة الداعي إذن شاقة، فعليه إذن أن يفعل أكثر مما يكون عليه أن يقول، وإن جانبا من الناس يفهمون في الداعي العكس، بيد أنهم يسفهون الداعي حينما يفهمونه هكذا. فما الدعوة إلا انعكاس لما تنطوي عليه نفوس الدعاة، وإلا انقلبت إلى تدجيل وشعوذة وتضليل؛ إن الداعي مرب، ومن الضروري لنجاح المربي أن يتكيف بالخصال التي يريد أن يرى عليها الذين يتعهدهم، وإلا أصبح عرضة لسخرية الناس وحديثا لهم يتندرون به في المجالس ...

وبعد هذا، أعني بعد أن يكون للداعي ثقة بما يقول، عليه أن يكون خبيرا بطرق التبليغ، عليه أن يلم إلماما تاما بأحوال الناس وظروفهم، فرب مريض ينجح معه نوع من الدواء لا ينجح مع آخر، ومع أن الداء واحد، والألم واحد، وليس يستغرب هذا إلا من لا خبرة له بسلوك الناس، وإن ما تخاطب به المعاقر للخمور من طبقة عادية من الناس، ليس هو بحال تماما ما تخاطب به طبقة أخرى تزعم لنفسها التحضر والتثقيف، ولا تؤمن إلا بما يقوله الدكتور (موريس) عن خطر الخمر على حياة الإنسان .. وإن نوع اللوم الذي يوجه لعابث جاهل ليس هو أبدا نفس العتاب الذي يمكن أن تتوجه به لآخر يسمو به غروره عن معتاد القول، وإن القلوب مفاتيح لو توفق الدعاة في الاهتداء إليها لتمكنوا من أصحابها كما يشاؤون، وكما أن الطعام الغليظ الثقيل، يسبب لمتناوله أحيانا أسوأ الأمراض، فكذلك (الدعوة) التي لا يصحبها (ذوق) تفقد كل قيمة. وقد تستحيل إلى جفوة. ولقد ضرب النبي عليه الصلوات المثل للناس، فكان (يحدث الناس على قدر ما يفهمون) وكان يتخير ظروف الموعظة، ويكره أن تتجاهل حال المخاطبين، فكان يعبث بقلوب مستمعيه كما يريد فلا يشعرون إلى وهم للخمر يلعنون، وللأصنام يكسرون، وعلى ماضيهم يضحكون ومع أن عهدهم بالخمور والأصنام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت