بعيد وعريق. ولهذا كان في صدر ما يعنى به رجال الحكم في البلاد المتحضرة، تخير الدعاة من بين المتضلعين في علم النفس، الخبيرين بأحوال الإنسان، ونحن لا نقصد هنا بالداعي مجرد الخطيب أو الواعظ ولكن نتعداه إلى الداعي مهما كان: فالآباء في بيوتهم، والعمال في عمالاتهم، والأساتذة بين طلابهم، والوزراء فيما يرجع لاختصاصاتهم، وكذلك الأمراء والملوك .. كل هؤلاء (دعاة) عليهم أن يتخيروا أنسب الأحوال لدعوتهم حتى تجد مكانها في القلوب. فرب دعوة نفعت في صيف 1943 ولكنها لو تأخرت بعشر سنوات، لأصبحت في عداد المبتذل من القول، الذي لا يؤبه له، ورب كلمة في قوم تفعل فعل الأعاصير، ولكنها بالنسبة لآخرين لا تعدو أن تكون زقزقة عصافير فجميل بالداعي إذن أن (يستذوق) ، وحري به أن لا يكون نقمة في توجيهه للناس. وما أكثر ما يكون نجاح الداعي مضمونا لو أنه رجع إلى تاريخ الدعاة منذ العصور الأولى ليعرف (الطرق) و (الوسائل) التي تخيروها لنشر دعوتهم، فليس من العبث مجاراة القرآن للعرب أول الأمر في الإشادة بثمرات النخيل والأعناب التي يتخذون منها (سكرا ورزقا حسنا) ليرجع بعد حين ليشهر بإثمها الكبير ومنفعتها الهزيلة، ثم ليحذرهم بعد ذلك من الصلاة وهم (سكارى) . ثم ليفصل فيها بقوله: (فاجتنبوه) كل هذا كان تصيدا للفرص من المربي وتقديرا لظروف الناس.
على أن هناك شرطا ثالثا يجب أن يظل شعارا للداعي، ولا نرى له عذرا في عدم التمسك به، ذلك هو التجرد في دعوته عن (الغرض) ، ولست أعني بهذا أن لا يكون للداعي هدف يرمي إليه، فإن تلك هي مهمة الدعوة، ولكن الهدف الذي نستقذره ونهيب بالدعاة أن يتساموا عنه هو القصد السيء، الذي يرجى منه فقط التعريض بالناس والتشهير بهم، وإن هناك طائفة من الدعاة أخفقوا ورماهم الله بالفشل والمقت لأنهم لا يهدفون من وراء أقوالهم إلا لإثارة الأحقاد، وتغذية الضغائن، فليسوا مصلحين إخلاصا للإصلاح، وليسوا مرشدين تقديرا لواجب الإرشاد، ولكن ليرووا ظمأهم من أعراض الآخرين وشخصهم.
وهناك أمر رابع جدير بنا أن نلفت إليه الأنظار، أنظار الذين يوجهون الناس، سيما وهو - أي الرابع - يختصر لنا الطريق للوصول إلى الغاية التي نتوخاها، وسيما أيضا وهو يوفر على الدعاة كثيرا من العنت الذي قد يعترض سبيلهم؛ علينا أن نوجد (انسجاما) بين الذين يقومون بهذه المهمة السامية، نعم، (انسجاما) في الأفكار والغايات، فإن مما يشتت الفكر أن يهيب أحدنا بالناس: أن افعلوا أمرا بينما ينادي الآخر فيهم: أن لا تفعلوا .. وإن العصر الجديد بما ظهر فيه من (أحداث) ليستحث منا السير نحو تحقيق هذا (الانسجام) ، لنجد لناس هذا العصر (أقضية) يلجأون إليها عند تلك الأحداث، أقضية لا ترهقهم ولا تضنيهم، ولكنها في الوقت ذاته لا تجعل منهم إباحيين يسترسلون إلى الحضيض الذي يرجو غيرنا جاهدا أن يتخلص من ويلاته وثبوره، ولست أجهل المتاعب التي قد تقف في طريق هذا (الانسجام) ولكني أعتقد أنه متى سلمت النية واتسعت الخبرة، وتجرد الناس عن أهوائهم، لا بد أن نتغلب على سائر الصعاب ...
تلك هي المقومات التي ينبغي أن نتزود بها في طريقنا إلى إرضاء الرغبة الملكية الكريمة، ونحن أكثر ما نكون اقتناعا - متى لم نحد عن هذا السبيل - أننا سنصبح عما قريب أمام مواطنين صالحين، لا التواء فيهم ولا تعقيد ولا شذوذ. على الدعاة أن يعرفوا أن العهد الجديد فتح أعين الناس أكثر من أي وقت مضى، فهم - ولهم الحق في ذلك - يتتبعون حركات المنتصبين عن كثب، فإذا كان هذا المنتصب أول من يتحرى ما يقول، وإذا كان أدرى الناس بالناس، وإذا كان نبيل القصد شريفه، وجد أنصاره ومستمعيه، وإلا انفض الناس من حوله، وساءت طنونهم به، ثم لا يلبث أن يمسى في عداد (دعاة السوء) الذين يأمرون ولا يأتمرون، ويعظون ولا يتعظون.
نحن حقا في حاجة إلى (دعاة) ، ولكن على الدعاة أن يعرفوا أن سر نجاحهم في الإيمان، والحكمة، والنزاهة، والتعاون.