دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص5
بين الجمود والجمود
للأستاذ الكبير: السيد المختار السوسي
انتظرته حتى استفاق عند الساعة الثانية، فدخلت إلى غرفته، فهنأته بالسلامة، وقلت له: كيف تجدك؟
فقال: أحسست الآن كأن قوتي تراجعت إلى، وها أنذا سأقوم.
فقام ومشى ما شاء الله في الغرفة، فقال: ها أنذا أصح من الحصان، هيا بنا إلى الغداء.
فقلت له ونحن نفتتح الغداء: كنت ءانفا قلت لي كلمة على سبيل التهكم: (ما معنى إن شاء الله؟ فالأمر لي فقد شئت والسلام) ، ولم أجبك إذ ذاك، إلا أني الآن وجدت في الحادثة جوابا، أرأيت مقدار مشيئتك؟ وإلى أين مداها، أو لا تعترف معي بضعف قدرة الإنسان، وأنه لا يعدو أن يكون كريشة تتطاير بها الريح عن يمين وعن شمال؟
فقال: هذا ما يقوله الحكيم الغربي: أن الإنسان أمام الطبيعة كلاشيء ما لم يقوه الحب الصحيح. فقلت له: إن قول حكيمك الغربي إنما بنى على أساس الغرام وعلى أساس الخيال، فدعنا الآن من الغرام والخيال، فنحن الآن إزاء حقيقة عظيمة نبحث فيها بكل حرية، محكمين العقل الذي يتمتع به الإنسان دون كل ما حواليه في السماء والأرض، فإن هذه فرصة أوجدتها لنا هذه الحادثة ينبغي أن لا نفلتها، ألم يقل أوستن فلبس: (إن التيقظ في مراقبة الفرص والحذق والجرأة في اقتناصها عند سنوحها، والقوة والثبات في الاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن، هي المزايا الجوهرية التي تقود إلى النجاح) . أو ليس ما يقوله هذا الحكيم الغربي صحيحا؟ فلماذا نفلت هذه الفرصة؟ فلنحذق ولنجرؤ في اقتناصها، ولنقو ولنثبت حتى نستفيد منها إلى أقصى حد ممكن.
فقال: أجل، إلا أن البحث في هذا لا يجدي نقيرا، ولا يغني قطميرا، فأمثال هذه الأبحاث لا يشغل بها إلا أهل البطالة، لأنها لا تكشف لنا عن قطار جديد ينسى هذا القطار المعتاد، ولا تطير بنا ثانيا إلى حيث لا يطير المنطاد، فما البحث المجدي إلا ما كان في الماديات التي ازدهرت بها المدنية اليوم، وطويت الشقة فيها فقرب البعيد القصي.
فقلت له: هل الأبحاث التي كان يشتغل بها فلاسفة اليونان أمس، ويملأ بها أوقاتهم فلاسفة اليوم، مما لا يجدي نفعا في نظرك؟ وهل تظن البحث في الماديات انبعث من غير بحوث الفلاسفة؟ فإن كانت عقليتك أسفت إلى هذا الدرك فلتبك على عقلك البواكي.
فقال: ليس مقصودي ما يؤدي إلى هذه الغاية، وإنما مقصودي أنني لا أحب التدقيق في أبحاث لا تعود علي شخصيا بالمنفعة، وأية منفعة لي في التدقيق في هذا البحث؟
فقلت: كيف تنكر أن يعود عليك التدقيق في هذا البحث بالمنفعة الشخصية؟ فلا ريب أنك ترى نفسك مستقيما، وأي شاب مثلك ينفي الاستقامة عن نفسه؟
فقال: نعم إني مستقيم ككل رجل جنتلمان.
فقلت: إن الاستقامة صنو التدقيق، فهذا الحكيم الغربي س. سيمونس يقول: (التدقيق هو الأخ المتايم للاستقامة، فإن كنت ترى مشقة في هذا البحث العقلي فقد نفضت يدك من عبقرية لا شك أنك تراها لنفسك) .
فقال: نعم، إنني لا أرى لي عبقرية، وإن كنت لا أصرح بذلك في المجتمعات، ولو لقيت بيئة تقدرني قدري لكنت قبلة النظار، ولو اتبعتني أمتي لأخرجتها من الهمجية.