فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص4

أيها السادة

إننا لا نجهل ثقل الأعباء التي تضطلع بها منظمة اليونسكو، ولا سعة الميادين التي يتعين عليها أن تعمل فيها، ولكن مهما عظمت التضحيات وغلت الأثمان، فهي هينة زهيدة بالنسبة للمغانم التي تترقب الإنسانية أن تسفر عنها جهودها، ولقد أصبحت الثقافة ضرورية للناس ضرورة الماء والهواء، لا لإنارة أذهانهم ورفع مستواهم فقط، ولكن لتقريبهم من بعضهم، وتوطيد دعائم السلم بينهم أيضا، فكثير من المشاكل والأزمات التي يتخبط فيها العالم إنما أتت من الجهالة، وما تخلف في العقول من ضيق وتولد في النفوس من عصبيات، وسيشهد العالم سلما ثابتا واطمئنانا حقيقيا يوم يتبدل الضيق سعة بالعلم، وينقلب التعصب تسامحا.

وقد سرنا أنكم جعلتم من جدول أعمالكم دراسة المشروع الكبير الرامي إلى تقدير قيم الشرق والغرب، فإن تقدير الأمم لقيم بعضها ووزنها بموازين العقل يخلق فيها روح الاحترام المتبادل، ويحملها على أن تتقابس من أحسن ما عندها، وذلك كفيل بإخماد جذى المنافرات، وإضعاف أسباب العداوات.

إننا نعيش في عالم تقاربت أبعاده بفعل التقدم الحضري وسرعة المواصلات، وتمدين سكانه بمدنية متشابهة هي تراثهم المشترك لاستقائها من سائر المدنيات القديمة، وأصبحت شعوبه بمثابة أفراد الأسرة الواحدة، فما أحراها -والحالة هذه- أن تتعاون تعاونا جديا على نشر الثقافة، وأن تهب لصد عادية الجهل عن مئات الملايين من ضحاياه كما تهب لنجدة بعضها عندما تدهم الكوارث وتهدد المجاعات، وما أحرى العلماء أن يوجهوا العلم وجهة صالحة، فيجعلوا منه وسيلة بناء وتعمير، لا أداة تخريب وتدمير، وأن ينشروا به ألوية المودة والوئام والسلم على أسرتهم الإنسانية الكبرى، لتعيش في سعادة وهناء.

إننا ونحن نسرع الخطى في طريق نهضتنا ندرك كل هذه المعاني، ونود مؤازرة اليونسكو في مهماتها التثقيفية والتعميرية والتقريبية، ونبتهج بالدراسات والأبحاث التي تريد القيام بها في المناطق القاحلة، ونعد ذلك من بشائر نجاحها وتوفيقها، فإن تثقيف الشعوب ورفع مستواها المادي كالخطين المتوازيين، كما نبتهج بكل تقارب يحصل بين اللجان الوطنية العربية، ونتمنى أن يسفر عن تأليف رابطة لها، حتى تستطيع أن تقدم لليونسكو إعانة فعالة مجدية، وتوثق عرى الوحدة الثقافية بين الأقطار العربية، وتعبئ الجهود لحل مشاكلها في الميادين التعليمية والتربوية.

أيها السادة

إننا نحييكم، ونتمنى لكم التوفيق والنجاح فيما تباشرون من أعمال، وأن تخرجوا منها بنتائج إيجابية، كما نرجو لكم جولة ممتعة في هذه البلاد الجميلة المضيافة، التي يعيش سكانها عيشة رضية متساوين متسامحين، غير متمايزين من أجل اللغة أو اللون أو الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت