فهرس الكتاب

الصفحة 4271 من 5287

دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 ص29

أبحاث ومقالات: تحول الكائن إلى الشخص

للدكتور: محمد عزيز الحبابي

إن الكائن البشري يتجلى، بمجرد ما يكشف عن العلاقة التي تربطه بالبيئة المحيطةبه، حيث يتكيف ويتشخصن. بيد أنه لا يظهر، بدا، كما هو في الواقع، وهذا الظهور يكون مخالفا للواقع، بالنسبة للكائن ذاته (لان الشعور - بالذات يبرز في مرحلة ثانوية، أي بعد أن يصبح الكائن قد تعدى كينونته المحضن فأضاف إليها مكتسبات) والنسبة للآخرين، لأنهم يرونه كما يدركونه، وطبقا للعادات والأعراف التي يحيون فيها. فالفعلة التي ينبثق بها الكائن، ويتفتح بها على الحياة، هي نفسها التي تحوله الى الشخص. ان جميع التعليلات السابقة، لم ترم، الى شيء آخر، غير تتبع مراحل حركة التشخص، وابراز تخطيطات الانتقال من الكائن الى الشخص.

يقول سارتر، في تعريف مشهور للوجودية، بأن الوجود يسبق الماهية، مع الحاح منه أن ينحصر هذا التعريف في الإنسان، وفي الإنسان وحده. ومعنى هذا، أن الإنسان موجود، قبل كل شيء، ثم انه يصير كذا أو كذا ..."ان ماهية الكائن البشري متوقفة على حريته" (كتاب الكائن والعدم، ص61) ، فهناك، اذن، نوع من التحول: الانسان حر، فيجب عليه أن يخلق ماهيته.

لنا على هذا ملحوظتان:

أولا: يستعمل سارتر، في التعريف السابق، كلمتين، هما"قبل"و"ثم"، وهاتان اللفظتان تستلزمان التوالي في الزمن، وترتيبا، ورابطة بين شيئين متباينين، يجب أن تكون حتما الماهية أحدهما. وعليه، كلما وجد كائن، كان لازما وجود حد أدنى من ماهيته في آن واحد مع وجوده، لأن هذا الكائن يوجد بالنسبة الى ماهيته. فالماهية (هذا وذاك و ... ) من صميم التيار الحيوي، في البذرة الأولى. ويمكننا، كذلك، أن نطالب سارتر بتمييز دقيق بين الماهية الشاملة التي تجعل مني كائنا بشريا (الماهية النوعية التي لا تتعلق باختياري، مطلقا) والماهية الفردية التي تجعل مني شخصية ما، وتعطيني مزاجا ما.

ثانيا: ملحوظتنا الثانية تتكامل مع سابقتها.

يقول سارتر أن الإنسان"موجود، قبل كل شيء ..."لكن، بما أنه"موجود"، لا بد له من أن يكون شيئا، نعني لا بد أن يكون كذا أوكذا، ولا يمكنه أن يكون خارجا عن كذا أو كذا. ونتساءل اذن: ما معنى"وجود"غير محدد؟.

أن يكون لـ"اختيار"ماهية ما معنى من المعاني، لو كان الكائن الموجود غير محدد، ينحصر في"قبل"، أي في شيء سابق على الوجود، كما يقول سارتر؟

ايجوز أن تقول بأن للكائن البشري وجودا وماهيات توجد أولا، في آن واحد، ومستقلة بعضها عن بعض، ثم لا تتصل ولا تمتزج الا فيما بعد؟

يظهر أننا، بالملحوظتين السابقتين، نزيح اللثام عن الفروض المسلمة الأولى التي بنى عليها سارتر مذهبه. فقولة ساترتر: الانسان بوجد أولا، ثم يصير، بعد ذلك، هذا أو ذاك، لا تقبل الا إذا سلمنا، سلفا، بوجود الزمن (زمن يمكنه أن يتجلى في العالم، قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت