فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 5287

دعوة الحق، س2، ع1 /شتنبر 1958 ص 39

قصة مغربية

للأستاذ: أبي بكر اللمتوني

قالت نفيسة لزوجها العياشي:

"إن شيئا لم يعد ينقصها حتى تشقى لأجل المزيد من المال. إن القرية كلهَا تحسدنا على دارنا التي تفوق حتى ديار المدينة بما تزخر به من أثاث ورياش ... أما المزارع فما أحسبك تستطيع أن تحافظ عليها لو أنك استزدت منها. أفلا يغنيك كل هذا يا عياشي عن الاستمرار في تعريض حياتك وصحتك وحريتك ومالك جميعا للخطر؟"

أجاب العياشي وهو يحدق في الظلام من خلال زجاج النافدة:

"إنك لن تبلغي كلامك هذا من أكثر من أن تثيري مخاوف أمي"

_ (( وأنا .. ؟ أليس لمشاعري عندك قيمة ) )

_ (( أوه! كأنك لا تعرفين أنها عجوز واهية قد يكفي القلق لقتلها ) )

وتعالى نباح الكلاب في فناء البيت، فاستدار العياشي نحو امرأته مستفهما، بينما قفزت هي إلى كيس النقود الذي كان ملقى على إحدى الحشايا، فتناولت منه نقودا خرجت بها مسرعة، ثم عادت بورقة ملفوفة في خرقة بيضاء ألقتها في الكيس.

سأل العياشي مستغربا:

(( ما ذاك؟ ) )

أجابت نفيسة بلهجة المدل الممتن:

(( حجاب ... كلفت الفقيه بكتابته حين جاء في العشاء لأخذ(المعروف) ، وقد أنجزه وجاء به )).

وأدهشها أن زوجها _ ولم تكن تنظر إليه _ لم يفصح عن رأيه في تصرفها، ثم لم تملك إزاء صمته الذي طال إلا أن ترفع عينيها إليه، فوجدته ينظر إليها في رقة لم تعهدها فيه، فخجلت وغضت بصرها وهي تتمتم:

(( لكم أخاف عليك يا عياشي! ) )

_ (( يسرني هذا يا نفيسة ... ولكن لا داعي للخوف. إنك تعرفين أنني لا أمد رجلي حتى أقدر لها موضعها ) )

_ (( ولكنك قد تزلق مرة ) )

_ (( نفيسة .. ! إن كلاما ألقي إليك ... وإلا فما هذا الفزع البالغ الذي توشكين أن تعديني به ... قولي لي ... ما الذي يفزعك؟ ) )

_ (( لا شيء يا عياشي ... لا شيء ... إلا أن الحوادث كثرت في هذه الأيام ... لقد سجن قاسم كما تعلم وصودرت بضاعته ... ويقال إن ثروته كلها لن تكفي لأداء الغرامة ... وولد عائشة معتقل هو الآخر على ذمة التحقيق ... ولا إخاله ينتظر مصيرا أسعد من مصير صاحبه ... والعواد ألقى بضاعته إلي الوادي وتبرأ منها، ولكن السلطة مجدة في متابعته ... ويخيل إلي يا عياشي أنك لست غير أحد هؤلاء ... ) )

_ (( بل إنني غيرهم على التحقيق. إنهم يعتمدون على الحظ، أما أنا فأعتمد على هذا ... ) )

وأشار إلى كيس نقوده في رعونة، أنكرها هو نفسه، فاستخذى وتقدم متلطفا نحو زوجته، وكانت جالسة على حافة الحشية، فجلس بجانبها، وطوقها بيسراه، بينما جذب بيمناه ذقنها إليه، وقال بصوت يقرب أن يكون همسا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت