دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص24
آراء وأحاديث
بعثت (دعوة الحق) مندوبها إلى الفندق الملكي، ليهنئ باسمها الدكتور تقي الدين الهلالي بسلامة الوصول إلى أرض الوطن، بعد غيبة طالت خمسا وثلاثين سنة، وليبلغه متمنيات أسرة المجلة لسيادته بالمقام الطيب، والصحة الكاملة.
وقد كتب مندوب المجلة بعد هذه المقابلة ما يلي:
دخلت على الدكتور تقي الدين غرفته بالفندق الملكي، فإذا أنا أمام شخص متواضع في سمته وحديثه وحركاته، بسيط في مظهره، يبدأك بالسلام، ويرحب بك ترحيبا يجعلك تحس من أول وهلة أن بينكما سابق معرفة، ويحملك على أن تطرح التكلف، وتتبسط في الحديث، وتتمتع بحريتك كاملة، وتفتح قلبك كله لهذا الرجل الذي يتحدث إليك بقلبه قبل أن يتحدث إليك بلسانه. إنه الدكتور تقي الدين الهلالي، العالم الجليل، والإنسان المتواضع، والقلب الكبير.
آثرت في الحديث الذي أجريته مع الدكتور تقي الدين ألا أقيده بأسئلة محدودة، وإنما تركت الحديث يأخذ مجراه الطبيعي، وتركت الأستاذ يتكلم على سجيته، ولعلي أوفق في أن أجمل لك خلاصة هذا الحديث هنا آملا أن تجد فيه من المتعة، مثل ما وجدت أنا في الحديث إلى الأستاذ.
الطالب تقي الدين:
كان الطالب تقي الدين الهلالي في السادسة والعشرين من عمره عندما غادر المغرب إلى مصر في سنة 1922 وكانت غايته من الرحلة أن يطلب العلم، وعلم الحديث على الخصوص، وقصد الأزهر، ولكنه لم يجد بغيته فيه، فانقطع عنه، وتوثقت صلته بالشيخ رشيد رضا وتلامذته، وفي المجالس الخاصة للشيخ رشيد رضا تفتق ذهن الطالب المغربي، وبان فضله ورغبته في العلم، وحرصه على تحصيله مهما كلفه ذلك من جهد أو تضحية أو مغامرة، كما أن المناقشات الحادة التي كانت تجري في مجالس الشيخ رشيد رضا كانت سببا في نضجه الفكري، وتحوله عن التقليد إلى استعمال الفكر وطلب الأدلة العقلية، وعن التقديس المبالغ فيه للعلماء الأعلام والتسليم بكل ما يرد عنهم، إلى البحث الاستقلالي والترجيح، والاعتماد على الأدلة الأصولية والرجوع إلى الكتاب والسنة. ومع ذلك فلا تزال في النفس بقية، ولا يزال الطالب الذي خرج من المغرب في طلب علم الحديث يبحث عنه فلا يجد ما يشفي غلته منه.
همة تصحبها حماقة:
وأخيرا قيل للطالب المغربي: إذا كنت جادا في طلب علم الحديث فعليك بالهند، نعم الهند، فهناك فقط تستطيع أن تجد بقية الأعلام من رجال الحديث. وبدأ الطالب المغربي استشاراته من أجل تنفيذ المغامرة، وذكر يوما عزمه على السفر إلى الهند بمحضر الشيخ محمد حمزة أحد تلامذة الشيخ رشيد رضا، فقال له الشيخ حمزة كلمة لا زال يذكرها إلى اليوم: هذه همة تصحبها حماقة.
وكان معنى الحماقة هنا أن يفكر طالب فقير لا يجد عونا من أحد في السفر إلى الهند، في وقت لم يكن يستطيع فيه التفكير في سفر بعيد كهذا إلا من كان يتوفر على ثروة طائلة أو على الأقل على نصيب كبير من المال.