فهرس الكتاب

الصفحة 5202 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 ص 09

أبو الحسن الشاذلي

للدكتور: جمال الدين الشيال

لم يقصر أبو الحسن الشاذلي نشاطه العلمي والروحي على مدينة الإسكندرية وحدها، بل كان دائم الرحلة إلى المدن المصرية الكبرى، فتردد أول ما تردد على مدينة دمنهور أقرب المدن إلى الإسكندرية، وقد زوج ابنته رقية إلى رجل فاضل من أهلها هو الشيخ علي الدمنهوري، ثم زار دمياط والمنصورة، وزار معظم مدن الوجه القبلي الكبرى في سفراته العديدة للحج، وتردد كثيرا على العاصمة القاهرة.

وفي كل هذه المدن كان الشيخ يعقد حلقاته المعتادة للدرس والوعظ لتفقيه الناس في أمور دينهم ولنشر مبادئه ودعوته. وكانت أهم هذه الحلقات هي الحلقات التي عقدها بمدينة القاهرة، وتذكر المراجع أنه كان يلقي دروسه بها في مسجد المقياس بجزيرة الروضة أو في المدرسة الكاملية وهي المدرسة التي بناها السلطان الملك الكامل محمد الأيوبي لتدريس علوم الحديث خاصة.

وكانت القاهرة وقتذاك عامرة بنخبة ممتازة من العلماء الكبار من أمثال الشيخ عز الدين بن عبد السلام العالم القوي الجريء، وتقي الدين بن دقيق العبد أحد علماء مصر وقضاتها، وعبد العظيم المفندي المحدث الكبير وشيخ المدرسة الكاملية، ومحي الدين بن سراقة -وهو علم آخر من أعلام المدرسة الكاملية، والشيخ الورع التقي مكين الدين الأسمر شيخ القراء بالإسكندرية، وأبى عمرو عثمان بن الحاجب من أبرز علماء العصر بالنحو وعلوم العربية. وابن الصلاح مفتي الشام ومحدثها على ذلك الوقت.

وكان هؤلاء وكثيرون غيرهم يجلسون إلى الشيخ أبي الحسن يستمعون إلى دروسه وشروحه ومواعظه، وكثيرا ما كانت تدور بينه وبينهم المناقشات العلمية والمساجلات الصوفية الطريفة المفيدة، وقد اعترفوا له جميعا بالعمل والفضل والتقوى والقرب من الله سبحانه وتعالى، قال الشيخ مكين الدين الأسمر:

«مكثت أربعين سنة يشكل علي الأمر في طريق القوم، فلا أجد من يتكلم عليه ويزيل عني أشكاله حتى ورد الشيخ أبو الحسن الشاذلي، فأزال عني كل شيء أشكل علي، ورأيت الناس يدعون إلى باب الله، وأبا الحسن يدخلهم على اله تعالى» .

وقال عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:

«ما رأيت أعرف بالله من الشيخ الشاذلي» .

وقال لشيخ بدر الدين بن جماعة:

«إن بركة الشيخ حلت بالديار المصرية منذ أقام فيها» .

هذه هي حلقات الدروس التي كان يعقدها أبو الحسن الشاذلي في مدن مصر الكبرى وخاصة الإسكندرية والقاهرة. ونستطيع أن نتعرف من أخباره المتناثرة في الكتب التي ترجمت له على الكتب التي كان يقرأ أو يدرسها أو يشرحها في هذه الحلقات، وهي من أمهات الكتب التي وضعها كبار المتصوفة الذين عاشوا قبله. ومنها على سبيل المثال:

كتاب خيم الأولياء للحكيم محمد بن عبد الله الترمزي من رجال القرن الثالث.

وكتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي من رجال القرن الرابع.

والرسالة القنسيرية لأبي القاسم القشيري.

وإحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي -وهما من رجال القرن الخامس-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت