فهرس الكتاب

الصفحة 3322 من 5287

دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 ص 27

أبحاث ومقالات: من مزايا اللغة العربية

للدكتور عبد الكريم اليافي

للغة العربية مكانة خاصة بين اللغات جميعا، وصلتها بالشعب العربي وبغيره من الشعوب صلة فريدة، ومن المفيد أن نبين تلك المكانة وأن نبرز هذه الصلة ما اتسع لنا المجال في هذا الحديث الموجز.

أما مكانة اللغة العربية بين اللغات فينبغي أن نعرف أنه لا توجد في القديم ولا في الحديث لغة تضاهيها في المزايا، وتحاكيها في الخصائص والفضائل، وليس كلامنا من وحي العاطفة ولا من قبيل الفخار والحماسة، وإنما تلمس للصفات الموضوعية التي للغات.

فاللغة العربية من أقدم اللغات الحية، بل هي أقدمها على الإطلاق، وقدمها هذا يحبوها تراثا فكريا ضخما، ويهبها مرونة واسعة، ويزودها بتجارب كبيرة: وإذا كانت قد عمرت وعاشت واستثمرت هذه الأحقاب الطوال، فلأنها تحوي فضائل ضمنية ليست للغات ماتت وانقرضت كاللغة اليونانية القديمة واللاتينية وأمثالها.

والحق أن اللغة العربية مرت بمراحل نشوء طويلة وكبيرة بدأت تعرف بالتدريج. ولقد دلت الكشوف الأثرية التي حصلت في تل ماري بالجزيرة في سورية على أن الكتابات التي عثر عليها في هذه المدينة القديمة والتي ترجع إلى نحو من خمسة آلاف سنة قبل المسيح، إنما كانت مكتوبة بلغة قريبة جدا من العربية.

وفي تلك العصور الطوال الخالية اكتملت اللغة العربية اكتمالا أصيلا وجميلا، ولما جاء الدين الإسلامي ونزل القران الكريم قيض لها منذ هذه المرحلة الحاسمة الصون والاستمرار مع التطور المناسب الملائم، وإذا كان التطور التاريخي العميق البعيد يهب اللغة كمالا حين تكون اللغة أهلا له فيها من مرونة ومزايا، فان العربية لها مثل هذا الكمال المفرد بين جميع اللغات.

بيد أن لهجة قريش البليغية هي التي كتب لها البقاء والاستمرار، ولقد خرجت مع العرب من بلادهم، وتدفقت كالسيل المخصب في بلاد العالم. ولمرونتها وجمالها واتساع دلالاتها وملاءمتها غلبت جميع اللغات التي صادفتها، وأصبحت بعد أمد لغة الأدب ولغة العلم ولغة السياسة ولغة التجارة ولغة الدين، لشعوب كثيرة تكلمت بها عصورا طوالا، لا للشعب العربي وحده ولم يتح مثل ذلك للغة من اللغات حتى اليوم.

وليس غريبا أن تستهوي اللغة العربية أبناء شعوب كثيرة وتأخذ بقلوبهم ونفوسهم، وتتلقى ثمرات عقولهم وقرائحهم، فلم يكونوا يفضلون عليها لغة من اللغات حتى لغاتهم الأصلية، مع أنهم كانوا يتقون إذ ذاك عدة لغات شائعة غي عصرهم. ومن الطريف أن نذكر إقبال شعوب آسيا وافريقية وأوربا كلهم على دراسة اللغة العربية والكتابة بها وإتقانها والنظر إليها على أنها اللغة الفكرية والأدبية والعلمية الممتازة، وذلك في عصور تألق الحضارة العربية. وفي كتاب «الإمتاع والمؤانسة» للتوحيدي فصل يشير إلى إعجاب عبد الله بن المقفع الفارسي باللغة العربية باعتبارها من المزايا العالية التي للشعب العربي.

ثم أن هناك عالما ومؤرخا وجغرافيا وفيلسوفا ورياضيا وفلكيا قل مثيله في تاريخ الفكر الإنساني كله، هو أبو الريحان البيوني، كان يتقن الفارسية والهندية والسريانية واليونانية والعربية زيادة على لغته التركية. وفي بعض كتبه الشيء والألفاظ التي تدل عليه بتلك اللغات جميعا. وفكره العلمي واطلاعه على طائفة من اللغات الشائعة في عصره يخولانه أن يحكم حكما صحيحا على مزايا اللغات، فهو يقول في كتاب (الصيدنة) ما يأتي:

«والى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم فازدادت وحلت في الأفئدة، وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وأن كانت كل أمة تستحلي لغتها التي الفتها واعتادتها واستعملتها في مأربها مع آلافها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة لو خلد بها علم لاستغرب استغراب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت