فهرس الكتاب

الصفحة 3323 من 5287

البعير على الميزاب والزرافة في العراب ثم متنقلة إلى العربية والفارسية، فانا في كل واحدة داخل ولها متكلف والهجو بالعربية أحب إلى من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي كيف ذهب رونقه وكسف باله وأسود وجهه وزال الانتفاع به، اذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية.» ومن المعروف أن الفارسية من أبرز اللغات الهندية الأدبية وأحلاها.

ولقد أخذ بعض الشعوب سبل البيان الصحيح عن اللغة العربية وتأثروا بها إلى مدى بعيد، فاللغة العبرية إنما بلغت عصرها الذهبي في ظل الحضارة العربية الأندلسية فوضع العلماء العبريون قواعد لغتهم، وحاكوا العرب في آدابهم، ونقلوا عنهم حتى أوزانهم الشعرية. وكذلك أثر البيان الأندلسي في شعوب أوربا كلها إذ ذاك، فاخذوا حضارة المسلمين ونقلوا أصولها وما تحتويه من علوم ومن بيان ومن شعر.

ومن المعلوم تأثير الشعر العربي الأندلسي في شعراء كتلونيا وغاليسيا والبروفنس وأمثالهم في ذلك الوقت ولما طفق الغربيون ينهضون، وجدوا أنفسهم عاجزين عن محاكاة المسلمين وبلوغ شأنهم في الكتابة والبيان، ونعرف ذلك من خلال الفقرات التي كتبها شاعر ايطاليا بترارك غي غضون القرن الرابع عشر الميلادي يندد ببني قومه ويهيب بهم يدعوهم إلى التشجع ويبث في نفوسهم الثقة والعزيمة، ويقول الشاعر:

(ماذا! لقد استطاع شيشرون أن يكون خطيبا بعد ديموستن، وأستطاع فيرجيل أن يكون شاعرا بعد هوميروس، وبعد العرب لا يسمح لأحد بالكتابة!

لقد جارينا اليونان غالبا، وتجاوزناهم أحيانا وبذلك جارينا وتجاوزنا جميع الأمم، وتقولون إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب! يا للجنون ويا للخيال! بل يا لعبقرية ايطاليا الغافية أو المنطفئة!»

لنتأمل من قريب خصائص اللغة العربية نجدها تمتاز بجوانب عجيبة ومتقابلة، فهي تمدك بمعين غزير لا ينضب حين تعمد إلى التعبير العلمي الدقيق المضبوط، وهي ترفدك وتدعمك حين تؤثر الفكر الفلسفي الواضح أو الغامض، والجلي أو القاتم، والناصع أو المستغلق، حسبما تقتضيه أفاق التفكير، وهي تعينك وتجنحك وتحلق بك اذا اتجهت إلى التعبير الأدبي الخيالي، وتسير معك برفق وتصاحبك وتريك الصفات والألوان، والجملة والتفاصيل، إذا فضلت الوصف الحسي المتصل بالرؤية والمشاهدة وهلم جرا ...

وكذلك إذا ألقيت ببصرك في جنبات الأرض والطبيعة والجماد والنبات والحيوان والإنسان والإصباح والضحى والظهيرة والأصيل والغروب وأجزاء الليل وانائه، كانت نعم اللسان الناطق والترجمان الأمين. وإذا تعبت من تتبع ما على الأرض، فسرحت بصرك في الأفاق، وقلبت وجهك في السماء، كانت نعم الدليل، فأرتك النجوم وأبراجها، والمجرة وأمواجها، وسمت لك الكواكب وصورها ومنازلها وحلاها ولالاءها.

إن اللغة العربية هي أولى اللغات التي سبرت أغوار السماء، ورصدت النجوم والكواكب، وبعثت بصواريخها اللفظية إلى تلك البروج والنجوم البعيدة عنا بملايين السنين الضوئية، ودرست منازل الشمس والقمر، وخبرت جوانب القبة الزرقاء. ولقد دمغت اللغة العربية بروج السماء ونجومها بأسماء أخذنها عنها جميع اللغات، فأصبح الناظر اليوم في الفلك أيا كان إذا أراد أن يتكلم بأي لغة شاء لزمه أن يستعمل أسماء تلك النجوم وأماكنها العربية.

إن اللغة العربية كانت لغة الحضارة العالمية مدة عصور طوال في قارة أسيا و افريقية وأوربا، وبقي الأمر كذلك في أسيا وافريقية حتى القرن التاسع عشر حين بدأت تحل الانكليزية مكانها.

ولقد رافق انبعاث اللغة العربية نهوض العرب في بلادهم، ووازى استعادة رونقها استيقاظهم، وساير تجددها الحديث تفتح قوميتهم ووعيهم.

وهي تبدو إحدى روابطهم القومية المتينة الخالدة، فهي من اجل ذلك ولمزاياها الكثيرة حرية بكل إعجاب وإكبار، قمينة بكل دراسة وجهد وإيثار، أهل لكل محبة وهوى وتعهد وعناية.

وبرغم التقدم الكبير الذي ظهر عند أبنائها من إقبالهم عليها ودراستهم لها، لا تزال تقتضيهم جهودا أكبر، وسعيا أشد، واهتماما أقوى، ومعرفة أعمق.

إن خدمة اللغة العربية خدمة للقومية العربية. وخدمة في الوقت نفسه للحضارة الانسانية، وكل تهاون في شأنها معناه التفريط في حق أغلى روابط الوطن العربي، والتفريد في حق أثمن كنوز التراث الإنساني.

لذلك كله لزم أن نحرص عليها حرصنا على كياننا، وأن نستمسك بها استمساكا بحقيقتنا، وكل حجه يصرف في هذا الشأن لن يضيع سدى في الميدان القومي ولا في الميدان الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت